عبد العزيز الحاج مصطفى

د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب :القضية السورية .. المشكلة المتعددة الأبعاد والمراحل (1)

يمكن القول إن القضية السورية أصبحت ظاهرة منذ انفصال سورية عن الدولة العثمانية، ووقوعها تحت النفوذ الفرنسي، الذي كان يعمل جاهدا، من أجل تمزيقها، وقتل الروح الوطنية فيها، وفصلها عن بعديها؛ الإقليمي والقومي، وجعلها في دائرة اتبّاعه. وكانت السياسة الفرنسية تتبنى الخطط المعدة مسبقا، من أجل السيطرة على سورية كلها، والحيلولة دون أن تتوجّه الاتجاه الصحيح، من أجل بناء الدولة ذات السيادة، وقد شملت تلك السياسة الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم تستثن قطاعا من القطاعات، أو مكونا من المكونات, كبر أم صغر. وقد كان هاجسها الرئيس ألا تصبح سورية دولة حرة ومستقلة وذات سيادة. وهاجسها هذا يتعلق بالمشروع الصليبي الصهيوني الذي رسم من واقع الحروب الصليبية؛ تلك الحروب التي ارتفعت حدة الصراع فيها بين الدول الأوربية والعالم الإسلامي وكان من حظ سورية أن تتحمل تبعات الجزء الأكبر من ذلك الصراع، الأمر الذي أدى إلى ظهور عدد من المشاكل في العصر الحديث، وإلى تحوّلها فيما بعد إلى بؤرة من بؤر الصراع الإقليمي والدولي. وسيقتصر حديثنا على الجانب السياسي، ونترك المجال آخرين أن يدلوا بدلوهم تجاه المشكلات الأخرى، التي فيها المشكلتان الاقتصادية و الاجتماعية.

 

المشكلة السياسية (1897-2017)

المشكلة السياسية التي تعيشها سورية اليوم قديمة حديثة, وقد مضى عليها أكثر من مئة عام. وبالتحديد منذ آواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين, وقد مرت بأربع مراحل:

أولا-  مرحلة الاستعمار (1897-1946م):

وفيها أربع محطات يحسن الوقوف عندها هي:

  • مؤتمر بازل سنة 1897، ومخطط الشرق الأوسط الجديد: كان الصهيوني ثيودور هرتزل قد تقدم بورقة إلى المؤتمر رأى فيها ضرورة أن تخضع منطقة الشرق الأوسط لتقسيمات على أساس عرقي ومذهبي على أن تكون السيادة فيها للدولة اليهودية, وقد تبنت الدول الأوربية هذه الورقة، وأخذت تضمنها قراراتها التي تعاملت على أساسها مع البلاد السورية بخاصة، والمنطقة الشرق الأوسطية بعامة.
  • الحلفاء وسياسة التقسيم: كانت سورية على مدار التاريخ تضم كلا من لبنان وفلسطين والأردن وسورية الحالية, وهي التي كانت تسمى سابقا (بلاد الشام) وقد ظل هذا الاسم حتى مطلع العصر الحديث, حيث أخذ الحلفاء يعملون بعدها على تجزئة تلك البلاد. ففي سنة 1915اتفقت كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا على اقتسام تركة الرجل المريض، وذلك بموجب معاهدة سان بطرس برج، وتبع ذلك في سنة 1916 اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا حيث قسمت سورية الكبرى إلى مناطق نفوذ فرنسية وبريطانية, أعقبه في سنة 1917م وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا، الذي تعهد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد أكدت ذلك معاهدة سان ريمو سنة 1920 التي وضعت سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني. ولم يكن ذلك بمجموعه سوى بداية أولية لتقسيم منطقة الشرق الأوسط ومنها سورية الكبرى التي أصبحت أربع دول بدل الدولة الواحدة.
  • السياسة الفرنسية في سورية: ما كادت فرنسا تسيطر على سورية حتى بدأت برسم سياسة تجزئة سورية آخذة باعتبارها ورقة هرتزل حيث قامت بترسيم حدود لبنان الكبير سنة 1920، وضمت إليه الأقضية الأربعة (بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا) ثم قامت بتقسيم سورية الحالية إلى أربع دول، فأنشأت دولة للعلويين في آب1920م، ثم أنشأت دولة للدروز ودولة في حلب ودولة في دمشق، كما اعتبرت لواء إسكندرون منطقة منفصلة عن سورية وذلك في تموز 1922م حيث ضُم بعدها لتركية سنة 1939م وقد كانت فرنسا بسياساتها هذه تريد أن تقضي على وحدة سوريا السياسية، إلا أنها لم تنجح في سياسة التجزئة هذه فأعادت دمج دول العلويين، والدروز وحلب ودمشق في دولة واحدة، هي الدولة السورية الحالية.
  • جورو والقشة التي كسرت ظهر البعير: ما إن شعر الجنرال الفرنسي جورو بعدم نجاح سياسة تجزئة سوريا، حتى لجأ للسياسة البديلة فقام بإنشاء قوات المشرق الحاصة، وقد نص القرار يومئذ على أن تكون عمدتها من العلويين وأن تعتمد على أبناء الأقليات، وألا تزيد نسبة السنة فيها على 30% وفي ظروف خاصة على 50% وقد نجحت فكرته هذه فبلغ عدد هذه القوات سنة 1931 اثني عشر ألف مقاتل، ثم استمرت في الزيادة، وكان ضباطها يتلقون تدريباتهم الخاصة على أيدي الفرنسيين، ويتثقفون بثقافتهم الخاصة، وفي سنة 1946م عندما قررت فرنسا الجلاء عن سوريا، تحوّل هذا الجيش الذي كان  جيشا فرنسيا بامتياز عمدته من الأقليات إلى الجيش العربي السوري، وتولى اللواء آرام قره مانوكيان الأرمني الأصل، مسألة إعادة تنظيم الجيش الذي كان أشبه مايكون بالولد العاق، وكان السوريون ينامون على هاجس انقلاب جديد يقوده مغامر متآمر وهذا الذي حدث بعد.

    ثانيا: مرحلة الاستقلال (1946-1970)

هذه المرحلة شهدت المخاض الصعب الذي أوصل الطائفيين إلى السلطة. وقد مرت كسابقتها بأربع محطات رئيسة، كانت كل محطة بمثابة مقدمة لسابقتها وهذه المحطات هي:

  • الانقلابات المتعاقبة والصراع على السلطة1949-1954: ما إن أعلن عن استقلال سورية ورحيل آخر جندي فرنسي حتى بدأت الملحمة الكبرى التي شهدت تدخل الجيش في السياسة وبدأت مرحلة مايعرف بحمّى الانقلابات والصراع على السلطة فمن1949 إلى 1954م شهدت سورية ستة انقلابات عسكرية هي على التوالي:

1-انقلاب حسني الزعيم وقع فجر يوم 30/3/1949م

2-انقلاب سامي الحناوي وقع فجر يوم 14/8/1949م

3-انقلاب العقيد أديب الشيشكلي الأول وقع فجر يوم 19/12/1949م

4- انقلاب أديب الشيشكلي الثاني وقع فجر يوم 2/01/1951م

5- الانقلاب على الشيشكلي وقد قامت به مجموعة من الضباط الذين لم يكونوا مؤهلين للتشبث بالسلطة من حيث الإمكانيات والرتب, ولم يكن أمامهم  سوى العودة إلى الثكنات  وتسليم السلطة للمدنيين, وقد وقع في 25/2/1954م.

6- الانقلاب على الشرعية وإعلان الوحدة في 22/2/1958م وقد قامت بذلك مجموعة من ضباط الأركان, أو ماعرف في حينه باسم مجلس القيادة العسكرية، الذين غادروا سورية إلى مصر في 14/1/1958 دون أن يعلم رئيس الجمهورية بذلك، ووقعوا مع جمال عبد الناصر مشروع الوحدة التي تم الإعلان عنها رسميا في 22/2/1958م.

والملاحظ أن هذه الانقلابات التي وقعت خلال فترة وجيزة لاتتجاوز العقد من الزمن، تكاد تنحصر دوافعها الرئيسة في ثلاثة:

الدافع الأول المؤثر الخارجي: ومنه دور المخابرات الأمريكية في انقلاب الزعيم, وقد كانت الدول الكبرى تعمل جاهدة من أجل السيطرة على الدول التي استقلت حديثا، والتي تدخل في  مجال سياساتها

الدافع الثاني النزعة الفردية وحب المغامرة, وعلى ذلك كان أكثر ضباط الجيش ومنهم حسني الزعيم والحناوي والشيشكلي.

الدافع الثالث الأجندة الحزبية التي شكلت منطلقا لبعض الضباط، ومنهم أولئك الذين ذهبوا إلى مصر  بدون إذن رئيس الجمهورية، ووقعوا الوحدة مع عبد الناصر، ثم عادوا إلى دمشق وأجبروا رئيس الجمهورية على الذهاب إلى القاهرة من أجل التوقيع على مشروع الوحدة. مع العلم أن سورية كانت تعيش حالة من التعددية السياسية، إذ أنها عرفت ومنذ وقت مبكر بعض الأحزاب التي كان لها  نشاطها المتميز سيما في مواجهة بعضها, وأكثرها كان غير منتم وغير ملتزم بالثوابت الوطنية والقومية والدينية؛ بل كان  منشؤه على أيدي أبناء الأقليات، الذين كان كثير منهم يعملون على وضع أجندة خاصة تأتمر بأمر الأجنبي ومن هؤلاء الحزب الشيوعي السوري الذي كانت لجنته المركزية تضم كلا من (آرتين مالدويان وهيكازون بوياجيان) وهما  أرمنيان, و( آكوب بيتلا) وهو يهودي روسي جاء من فلسطين إلى بيروت وكان يسمى الرفيق شامي! ومنها أيضا الحزب القومي الاجتماعي السوري الذي أسسه انطون سعادة، وكان كحزب إقليمي يحصر نشاطه في سورية الطبيعية، وبشكل خاص في أوساط الأقليات القومية والدينية وكان زعماؤه يحيون رموزا فينيقية وشرق أوسطية، ومنهم المقدم غسان جديد، الذي كان يعمل على نشر الطائفية في الجيش السوري، وكان أحد المسؤولين عن قتل العقيد عدنان المالكي, ويضاف إلى هذين الحزبين حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان يتبنى مشروعا انقلابيا يهدف إلى الوصول إلى السلطة وإقامة النظام الخاص الذي يتطلع إليه من أجل فرض هيمنته على الدولة والمجتمع.

  ومن أجل تحقيق مصالح هؤلاء وهؤلاء استعرت الساحة السورية بالصراعات الديماجوجية فكان الاقتتال بالجنازير بديلا للحوار والتفاهم، وكان  تخطي الرقاب، والتسلق أو القفز إلى أعلى, واسطة الوسائط من أجل الوصول إلى المشروع الطائفي الذي يعمل الطائفيون من أجله وذلك من خلال اللجنة العسكرية التي تأسست لذلك الغرض سنة 1958.

 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …