عبد العزيز الحاج مصطفى

د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: النخب السورية وفشل تجربة الوحدة

لا يختلف اثنان على أن الأمور التي تأتي اعتباطاً قلما تنجح,            ومن باب المراجعات, نكاد نجزم أن سياساتنا وصناعاتنا – نحن السوريين – منذ الاستقلال إلى اليوم أكثرها جاء اعتباطاً! وبسبب من المداخلات الأجنبية, وإن كان ثمّة مخططات؛ فمن باب المكايدات, وهذا ما جعلنا أقرب إلى الفشل؛ حكاماً ومحكومين! والكلام بخصوص الوحدة مع مصر, وتجربتها الفاشلة.

وقد رأينا أولاً: كيف أن الوحدة جاءت عفوية اعتباطة, وارتمائية في أحضان عبد الناصر, وعلى وفق هوى ثلّة من الضباط البعثيين الذين ثاروا على الشيشكلي ذات يوم, ومن ثم مضوا في ثورتهم قدماً فأقحموا البلاد في وحدة مع بلد آخر, لا تجمعه معه وحدة الجغرافيا, وبدون حسابات دقيقة, تقوم على أساس ما يجب أن يكون أولاً.

ثم رأينا ثانياً كيف أن هذه الثلّة – التي تصرفت عن هوى – انسحبت من حكومة الوحدة, وبشكل اعتباطي أيضاً  تاركة الوحدة ومفهومها للحاكم الذي وصفته بالدكتاتور, ليتصرف بهذه الدولة من جانب واحد, بصرف النظر عن نتائج ذلك التصرف, وعما كان يمليه الواجب القومي أولاً.

ثم رأينا ثالثاً كيف أقحمت نفسها ثلّةٌ أخرى من المغرر بهم, في حمأة الصراع, فحركت الوحدات العسكرية, وأقدمت على الانفصال بعد تجربة دامت أقل من أربع سنوات, وهي ليست من الحزبيين أو المنتمين, أو الذين يضعون في اعتبارهم المصلحة السورية العليا.

وقد كان الذي وقر في الأذهان يومئذ أن على الذين قاموا بالوحدة والانفصال, أن يضعوا في اعتبارهم مسائل ثلاثا:

أولاً: واقع الجيش السوري الذي تشغله الحزبية عن واجباته الوطنية  وقد كادت تنخره حتى العظم, وأن هذه الحزبية بعضها في حكم غير المنتمي, ولها ارتباطاتها الإقليمية والدولية؛ وأهدافها وخططها  تأتي من منطق السيطرة على البلد وقد تقمّصت الطائفية, وجعلتها قاسماً مشتركاً بين اعضائها.

     ثانياً: واقع الشعب السوري الذي آمن بالوحدة, وتعلق بها, ودافع عنها؛ من قبل ومن بعد. وقد دفع الآلاف من أبنائه شهداء من أجلها وهو إلى اليوم يحن إليها حنين الفطيم إلى أمه.

     ثالثاً: واقع النخب المثقفة,التي آلمها جداً أن تطوي تاريخها الاسلامي كله, لتعود إلى جذور متخيلة من الآرامية الفينيقية, بحداثاوية منبتة عن ذلك التاريخ, أو أن تكون أجناداً مجندة لأرتين مادويان, وأولهيكازون بوياجيان, أو لآكوب بيتلا الذين تصدروا اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في سورية ولبنان، أو حتى لخالد بكداش أو الرفيق شاتيلا اللذين تصدرا الحزب الشيوعي في سورية بخاصة، وقد أدى ذلك الواقع إلى تشرذم النخب المثقفة, وشتاتها وضياعها, وإلى تصدع في علاقاتها وانتماءاتها, وفي مواقفها  التي لا يجمعها جامع, وأخيراً إلى الوقوع في أسر السيد (النظام) الذي كان عليها أخطر من كل ما ذكر!

وبسبب من ذلك أصبحنا منذ اليوم الأول للانفصال أمام ظاهرتين لافتتين للنظر:

1- ظاهرة السياسة السورية: التي كانت منكرة ومستهجنة, وغير مقبولة, وعلى ذلك كان إجماع غالبية السوريين, وقد كان رؤوس النظام من الإنقلابيين في ذلك الوقت أكثر من ألعوبة بيد العسكر, وكان العسكر بعامة داخلين في حمأة صراع مع أنفسهم. وقد شهدت سورية خلال عشرين شهراً أكثر من خمسة انقلابات؛ والجميع الواحد تلو الآخر يؤول أمره إلى الفشل, ولم تعرف البلاد الاستقرار, والمتأخر ينحو باللائمة على المتقدم, والجميع من وجهة نظر شعبية كانوا في حكم الفاشل.

2- ظاهرة رد الفعل الشعبي في سورية بعامة؛ وقد أدخل الناس, قسراً, في خانة اللامبالاة , بعد أن أدركوا أن حكامهم ليسوا أكثر من مجموعة من القطط تتعارك على قطعة من الجبن! وأنهم أصبحوا ألعوبة بأيد تعبث بمقدراتهم؛ فباتوا بين المساء والصباح يتطلعون إلى الخلاص من هذه الزمرة التي خرجت على التقاليد الوطنية والاجتماعية والسياسية, وفعلت في البلاد ما لم يفعله العدو بعدوه, وكان هاجسها وحلمها, أن تعود الوحدة مع مصر, وأن تطوى راية الانفصال إلى غير رجعة. وقد كان ذلك يواجه أشرس قوتين عرفتهما الساحة السورية:

1- حزب البعث العربي الاشتراكي, الذي عاد إلى الساحة السورية بقطاعيها العسكري و المدني, وهو أكثر تطلعاً إلى تصدر الحياة السياسية في الأوساط الشعبية والعسكرية وبحسابات بلغت درجة الصفر, فهي غير دقيقة ولا مستوعبة ولا عارفة بما أصبحت عليه القوات المسلحة بعد تجربة الوحدة, ولا بما أصبحت عليه القناعات الشعبية. وكلها بحكم المستجد الذي يجب دراسته بعمق, وقد تمثّلت السياسة الحزبية بظاهرتين:

  • عدم تقدير الآخر أو احترامه, وقد كانت تنطوي على مشاعر كراهية وعدوان, سيما تجاه المتدينين الذين كان يعاب عليهم اتجاههم الاسلامي, وقد انشغلوا بهم دون سواهم, فأنشبوا معهم معارك متخيلة كما كانوا يريدونها يومئذ فهي بين الرجعية والتقدمية, وكأنهم اتخذوا من دعواهم هذه مركباً من أجل الوصول إلى السلطة, بعد فشلهم الذريع مع مصر, وخروجهم من تجربة الوحدة بخفي حنين بالرغم من معرفتهم المسبقة بما فعله عبد الناصر بالإسلاميين, وهم بين شهيد وسجين وشريد.
  • أفكارها المسطحة غير الفعالة في المواجهات, وسبب عدم فعاليتها يعود لطبيعتها المبهمة, فلو سألت منهم الواحد بعد الألف عن ماهية (الرسالة الخالدة) لأعجم ولم يجب. ذلك لأن الرسالة الخالدة تعني القيم المجتمعية, وحزب البعث ليست لديه قيم مجتمعية يمكن أن يلقّنها ناشئته خلاف القيم الإسلامية, وما دام أُنشب صراعا مع القيم الاسلامية التي وسمها سابقاً بالرجعية, فهو أعجز من أن يواجه القيم بالقيم, وهذا ما جعل البعثيين عرضة لتصارع القوى على الساحة السورية, وقد كان أعضاؤهم موزعين بين اليمين واليسار , وبشكل أفقدهم وحدة الاتجاه ووحدة الهدف, وهو الذي سهّل اختراقهم وحرفهم عن مسارهم .

2- القوة الطائفية: والطائفية في سورية منهجاً ومسلكاً تعني تجمع أبناء الأقليات المذهبية في مواجهة الأكثرية المسلمة التي تزيد نسبتها على 80% . وقد شكلت مرحلة الخمسينيات أكثر من رد فعل عندها, سيما بعد اغتيال اثنين من كبار قادتها؛ العقيد محمد ناصر, والمقدم غسان جديد, وبعد ملاحقات واسعة بسبب قتلها العقيد عدنان المالكي وبعد جر البلاد, من وجهة نظرها, إلى الوحدة مع مصر, وهو أمر سيؤدي إلى ذوبانها, أو عدم القدرة على التحكم بالقرار السياسي, أو الوصول إلى الحكم. وهذه الامور مجتمعة مكنتها, وخلاف ما كان عليه المكون السني بعامة, من أن تلتقي معاً, وأن تفكّر طائفياً, وأن تخطط, ومن أجل ذلك عمدت إلى أمور ثلاثة:

1- تكوين مرجعية عليا؛ سياسية وعسكرية, يرجع إليها في أوقات الأزمات, وتُتَّبَعُ تعليماتها, والعمل وفق سياساتها. وقد تمثّلت هذه اللجنة لأول أمرها باللجنة العسكرية التي أسست في القاهرة إبان دولة الوحدة سنة 1959 وضمت كلاً من محمد عران, وصلاح جديد وحافظ الأسد وهم من العلويين, وعبد الكريم الجندي وأحمد المير وهما إسماعيليان, ثم وسعت بعد ذلك لإضافة أعضاء آخرين فصار عدد أعضائها تسعة وكانوا: خمسة من العلويين, واثنان من الإسماعيليين, واثنان من الدروز هما: سليم حاطوم وحمد عبيد, وقد صار يجمعهم بعدها مصطلح (عدس) الذي كانت العين فيه تعني علوياً والدال تعني درزياً والسين تعني إسماعيلياً. هذه المجموعة, وهي طائفية بامتياز, خلفت محمد ناصر وغسان جديد في توجهاتهما الطائفية, وزادت عليهما بالتوليفة الأوسع بضم الإسماعيليين والدروز إليها.

2- التحول عن خط الحزب القومي السوري الاجتماعي إلى خط حزب البعث العربي الاشتراكي, والدخول في دائرة الفكر القومي والتخلي عن الحزب القومي السوري وأفكاره وطروحاته, وهذا الأمر أمكنهم أن يضعّفوا في العدد في الحسابات الحزبية, وأن يصبحوا أكثر قربى من القوميين العرب وأن ينفضوا عن كاهلهم ما كان ملقى عليهم من تهم طائفية, وأن يرتدوا المموه الذي أوصلهم بعد إلى (المقاوم ) و(الممانع) بالرغم من بعدهم عنه. فكان ذلك بمثابة الخديعة الكبرى التي دخلت على كثير من النخب المثقفة التي مشت مع الطائفيين أو سارت خلفهم وقد سلمت جدلا بصدق توجهاتهم!

3- اقتحام الكادر المتقدم من كوادر حزب البعث, والسيطرة على مراكز القرار, وجعل اللجنة العسكرية هي الحاكمة فيه لا سيما بعد أن جعلوها خمسة عشر عضواً بإضافة ستة من الأعضاء السنة إليها. وقد عنى ذلك في حينه السيطرة المطلقة على الحزب وكوادره المثقفة بعامة, وعلى الطائفيين بخاصة, فنتج عن ذلك:

أولاً: تهيئة المناخ الملائم لانقلاب الثامن من آذار سنة 1963الموسوم بازدواجيته السياسية, التي تتبنى المشروعين القومي والطائفي في آن واحد.

ثانياً: إعادة الاعتبار للعلويين, الذين كانوا إلى وقتٍ قريب متهمين بجريمة قتل, وتهيئة الأفكار لتقبلهم ضباطاً أمراء وقادة في الجيش.

ثالثاً: التركيز على جريمة الانفصال, باعتبارها الخطأ التاريخي الذي ما كان له أن يحدث, تمهيداً لإقصاء ضباط الانفصال عن الجيش والقوات المسلحة, وهو أمر أدّى في حينه إلى إضعاف المكون السني, الذي كان إلى وقت قريب قد بلغ مبلغاً من القوة مكنه من أن يكون صاحب القرار على المستويين؛ الرسمي والشعبي, دون منازع.

وهذه النتائج الثلاث؛ حتمتها أو ساهمت في الوصول إليها, الحسابات الدقيقة للطائفيين, كما قوّى من أمرها الطرف الآخر الذي وقع في سوء تصرفاته, وقد كانت قوائم الحساب عنده تقوم على استبعاد الآخر, وهضمه, وإقصائه, وهي أمور قادته من ضعف إلى ضعف, سيما بعد انقلاب الثامن من آذار.

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …