عبد العزيز الحاج مصطفى

د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: النخب السورية وأحداث الانفصال

        في صباح الثامن و العشرين من أيلول / سبتمبر من سنة 1961م لم يكن في الأذهان مايشير إلى بداية حدث جديد أو تغيير مرتقب. كانت الحياة على رتابتها؛ الحصص الدراسية كالمعتاد و الجميع مقبل على الدراسة. وفجأة يُدْفَع الباب بقوة – بدون استئذان – ويدخل القاعة شاب في يده العلم السوري ذي النجمات الحمراء و يهتف باسم الشعب العربي السوري إلى أمام. لقد كان الحدث مفاجئا بالنسبة لنا ! و كثير منا أصيب بالذهول، و لم يتكلم سوى الأستاذ الذي نادى الطالب باسمه؛ أن عليك أن تتريث. و أقبل الموجهون يركضون. فأخذوا الطالب فيما علا الوجوم الوجوه جميعا بما في ذلك الأستاذ الذي كان يطل من النافذة ليرسل نظرا عميقا و ليفكر مليا دون أن يتكلم كلمة واحدة !

      وفي صباح اليوم التالي – وكان قد أذيع البيان رقم واحد من القيادة العامة للجيش و القوات المسلحة؛ و فيه الحديث عن انقلاب  عسكري ضد نظام الوحدة . كانت المفاجأة أكبر بالنسبة لنا – نحن الطلاب – فالشعارات كانت مرشوقة على الجدران و حتى في الساحة؛ و هي مكتوبة بغضب شبابي و أكثر ها يعرض بقادة الانفصال الذين رموهم بمقذع العبارات و فاحشها. و كان مماكتبوه ضدهم بيتا من الشعر قالوا فيه:

       سخط الزمان على قوم فوظفهم – وصار قائدهم للشر مأمونا يقصدون مأمون الكزبري الذي كان قد أعلن عن تعيينه رئيسا للوزراء، و كان على مايبدو من المتقدمين في الحزب الوطني الدمشقي أما الطلاب فكانوا في هياج تام، و في غضب و تمرد، و قد انبرى بعضهم خطيبا، فألهب عواطف الشباب بكلماته الغاضبة التي دلت وقتها على التمسك بالوحدة بين سورية و مصر. وكان مما قاله :  لقد أسموها انتفاضة مباركة، و من الذي باركها غير العملاء و الأجورين.

أما إدارة المدرسة التي كانت تضم كلا من الأستاذ أدهم مصطفى مدير الثانوية، وفايز اسماعيل أمين سرها. و الرجلان أعلنا عن موقفهما الرافض للانقلاب. و كان مما قاله أدهم مصطفى: إذا سلمنا جدلا بالانفصال فسنكون قد قضينا على حلمنا التاريخي بالوحدة. و الذي حدث بعد أن الأستاذين أصبحا من أعلام الحركة الناصرية. وقد أصبح أدهم من رموز الجبهة العربية المتحدة كما أصبح فايز من رموز الوحدويين الاشتراكيين مع العلم أن لاستاذين من العلويين أما – نحن الطلبة – فقد تحركنا شرقا من ثانوية الكواكبي عبر  السهل الزراعي الذي يفضي إلى الملعب البلدي. وعند بوابة الملعب كانت المفاجأة !
 فقد وصلت الدبابات التي عرفنا بعد أنها دبابات اللواء الخامس و هي قادمة من حمص لمواجهة غضب الجماهير الذي سيندلع في أعقاب الانقلاب!! لقد توقفت بمحاذاة الجدار الغربي للملعب. و نزل منها بعضهم. و الذي لم يغب عن الذاكرة خلال هذه الفترة الطويلة أن أحدهم و كان قد اقترب منا –  ويبدو أنه كان من عتاة الطائفيين –  بادأنا القول و بسخرية، ” و الله لأسكر في جوامع السعودية.”!! ولماذا السكر في جوامع السعودية بخاصة؟؟ هذا ما لم نستطع الإجابة عليه في ذلك الوقت !.

        لم نتريث طويلا فتابعنا السير إلى ثانوية المأمون، وقد كانت إدارتها قد منعت الطلاب من الخروج إلا أن بعضنا قفز من  على السور و فتح الأبواب، و مع فتح الأبواب و اندفاع جماهير الطلبة إلى الخارج. كانت أصوات الرصاص قد أخذت تلعلع في مناطق كثيرة من حلب، و كانت العربات المصفحة قد توزعت في الشوارع وصولا إلى ساحة الكتاب و باب الفرج و إلى باب النيرب، وقد شد من أزر الطلبة وقوّى من موقفهم الحشود العمالية الغاضبة التي خرجت من معامل عين التل و الليرمون باتجاه المدينة فعلت أصوات الانفجارات، و استخدمت المدفعية و الدبابات. و الذي فاتنا و كان قد حدث مساء قبل ذلك.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …