وجدت النخب السورية التي بادأها الحراك الوطني مع فجر الاستقلال، نفسها لأول مرة، على محك من العلاقة مع ذاتها (أولا)، ومع الآخر(ثانيا)؛ الذي كان يتطلب تعبيرا عن الذات يرتقي إلى المستوى الأعلى. فـ(زيد وعمرو) من الناس اللذان دخلا خانة العمل الوطني لم يكن بمقدورهما أن يكونا أكثر فاعلية، إلا إذا تعاضدا وتعاونا وعملا معا من أجل قضيتهما المشتركة. وكانت مسألتا الانتماء والالتزام, اللتان تعدان من موجبات العمل الوطني توجبان عليهما ذلك.
كان خلاف ذلك يعني انغلاقا على الذات، وقصورا في الفهم أديا إلى انحراف في الخيارات؛ بعضها عقلية، وبعضها حركية, وإلى أخطاء في المسارات لم يكن أحد يتصورها من قبل، ومنها الاصطفاف مع الأعداء، أو الدخول معهم في تحالف واحد!
وأخطاء المسارات أكثر ماتكون خطورة عندما تطال المصلحة العليا، إذ إن الحيدان عن المصلحة العليا يؤدي إلى المفاهيم الخاطئة، وإلى السلوك الخاطىء. والمعروف أن الخطأ في المفهوم هو الذي يقود إلى الخطأ في السلوك, وبالتالي تكون النتيجة حتمية ومدمرة.
والملاحظ – والمسألة ميدانية – أن النخب السورية حملت في ذواتها بعض الأمراض الموروثة، التي تعد من مخلفات القرون، وبعض الأمراض الوافدة، التي قذفها إليها التقليد الأعمى للأجنبي، كأن تكون تابعة له!
الانتماء والالتزام
في مواجهة ذلك كان لابد من القيم المستجدة التي توصف بأنها عليا، والتي تحول دون سقوط القيمة. وهذه القيمة هي التي يحتاجها الإنسان المنتمي والملتزم, والانتماء والالتزام هما اللذان يوجبان التوقف عندهما، والتفصيل فيهما:
الانتماء
يعرف الانتماء بالمضاف إليه؛ كان نقول: بنو سورية، أو بنو العرب, أو أهل الحارة وأهل القرية إلى غير ذلك من صور الانتماء. وفي هذه الحالة يتوالد لدينا معنيان: المعنى الضيق؛ كأن نقول: الحارة والمعنى الواسع كأن نقول: الأمة, وعند هذه إما أن يرتقي الإنسان إلى المستوى الأعلى والأوسع في تصوره، فيكون المفهوم لديه هو حاصل جمع كل هذه المكونات، وإما أن يهبط إلى مستويات أدنى، فيكون في مستوى الحارة والقرية. وفي هذه الحالة سيصطدم مع الأحياء الأخرى أو القرى الأخرى، أو المدن الأخرى وبالتالي سيؤدي اصطدامه إلى خلل في العلاقة بينه وبين الآخر، الذي تتطلب العلاقة معه رقيا في الأسلوب، وارتقاء إلى ماهو أعلى في أصل الفكرة.
ولانعدم المثل مع هذه الحالة؛ فعندما يشغل التفكير المناطقي في البلد الواحد أبناءه عن التفكير بالمصلحة العليا وماتقتضيه من تضحيات أو بالأمة أو الدين أو بـ( القضية) بمعناها الأوسع تحدث العطالة، ويبدأ العد العكسي لوتائر التقدم، حتى تتدهور إلى أسفل سافلين. فتخبط (السِفلَةُ) مع بعضها، وبالتالي تكون الخسارة على الصعد الخاصة والعامة! إذ إن الإنسان مع هذه الحالة سينشغل بترهات الحياة وجزئياتها بدلا من كلياتها, ويدخل في خصومة مع شركاء القضية، من أصحاب الأمس الذين كانت تجمعه وإياهم المصلحة المشتركة.
والخلافات التي طالت الاحزاب والهيئات والجماعات في سورية – على وجه التحديد – كانت مثيرة للجدل جدا, وقد أدت إلى تصدع في جدار العمل الوطني، وعطالة في الآليات الوطنية وبالتالي إلى تحجيم الدور الحركي، للحزب أو الجماعة أو الهيئة المختصة، أو بمعنى آخر الدخول في خانة السلبية. وهذا مايجب أن يعرفه المناطقيون بعامة من أبناء الحارات والقرى والمدن المتصاغرة في طرحها. وبالتالي لايسمى الإنسان مع هذه الحالة منتميا؛ بل يخرج من الحانة، ليدخل بالصفة مع الوصوليين والانتهازيين وركاب الموجة، أو مع الذين حشروا في الخانة قسرا ودون إرادتهم, كأن تدفع به الوشاية إلى الهرب تجاه الآخر وهو ليس من خانته! فيكون حضوره قائما على الغش والنفاق, و صور ذلك مؤلمة وكثيرة.
وإذا ألقينا نظرة عجلى على تاريخ النخب السورية منذ الاستقلال إلى الآن نزداد فجيعة؛ فبعض الاحزاب السورية – وعمدتها النخب – نشأت نشأة مناطقية خالصة، كما أن بعضها الآخر أوغل في المناطقية إلى ماهو أبعد, إذ إن المركب الطائفي الذي ركبه الطائفيون منذ ماقبل الاستقلال، هو الذي أوصل سورية إلى ماهي فيه الآن. وقيل ماقيل عن الطائفية فهي كوليرا الشعوب؛ ماتفشت في قوم إلا أتت على بيضائهم. والذي يجب أن نعرفه – بالضرورة – أننا وطنيا أمام صورتين من صور الانتماء:
- الصورة الأولى: مقيتة وبالية، وأكثر سلبية, وتعنى الانغلاق على الذات، وهضم الآخر وإقصاءه والتآمر عليه, وفهي تنحط إلى مستويات دونية من المناطقية وتشغل ذاتها بالمخططات العدوانية التي من شأنها أن تؤذي وتضر.
- والصورة الثانية: عزيزة وغالية, وهي إيجابية, وتعني الانفتاح على الآخر، وعدم هضمه أو إقصائه، والتعاون معه. وفضلا عن ذلك فهي تحلق في مستويات أعلى وأسمى وأوسع دائرة. وبديهي جدا أن من ينتمي إلى الأمة و يجعلها محور تفكيره ليس كمن يفكر مناطقيا، ويجعل محور تفكيره الحارة أو القرية أو المدينة صغرت أو كبرت.
الالتزام
لا يذكر الالتزام إلا يذكر معه المبدأ، ويذكر معه (التغاير) و(التباين). حيث يتولد من ذلك القيمة, وعن القيمة يتولد الموقف الذي يمتاز به الإنسان الملتزم من غير الملتزم. وفي مواجهة ذلك، تبرز المستجدات التي يكون التعامل معها تبعا للموقف الذي يصدر عن القيمة. والمواقف؛ أصالة والتزاما من مبادىء الأمة العظيمة، ومن خصوصيات النخب المثقفة، التي تبني نظرياتها على أساس من مواقفها، وليس كحاطب ليل اختلط غثّه بسمينه.
ومع مطلع الخمسينيات – عصر تكون النخب – لما كان التباين والتغاير غير راشد, وكانت حركة النخب أسيرة تكوناتها الأولى التي توصف بأنها غير ناضجة، سقطت في أتون من الصراعات غير المنتهية مع الآخر الذي كان ومايزال يعد شريكا لها في الوطن رغم ذلك التباين.
هذه الحقيقة البديهية اقتضت إعادة النظر في تلك المسارات التي سلكتها النخب المثقفة وفي مآلاتها بعد! وقد أدى تباينها إلى سيرة ذاتية سيئة لأولئك الذين تصدروا النخب أو رسموا لها منطلقاتها النظرية التي كانت منزلقة تجاه ماهو أسوأ على وفق المعايير البشرية التي يقاس عليها عادة في المستجدات.
فالأمة ومصلحتها, من حيث القيمة تتقاطعان مع الوطن وأمنه من ناحية، ومع المستقبل ومستجداته من ناحية ثانية حيث يشكل مركز التقاطع, أفقيا وعاموديا, الموقف الذي كان على النخب أن تقفه، وهو مالم تفعله. وقد ثبت خطؤه بعد، وهو خطأ طالما زهقت به أرواح وسالت دماء، وهدمت أسواق ومستشفيات ودور عبادة، ومساكن على ساكنيها وعلى أساس من ذلك، فهو يرتقي إلى مستوى الجريمة، تحاسب عليها القوانين الأرضية والشرائع السماوية، وهو ما يوجب الموقف الجاد من النخب بعامة.
لقد كانت المسارات التي سلكتها النخب المثقفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ الشحصية والعامة، منذ أيامها الأولى خاطئة, وهي توحي بأن العربة هي التي تجر الحصان, وإذا عرفنا أن العربة مسيرة آليا (بالريموت كونترول) من قبل صانعها, أدركنا خفايا المسألة. فالنظام الذي قام قياما متحكما فيه منذ أيامه الأولى، لم يكن أمامه إلا أن يتابع سيره، وأن يعمل على وفق الإملاءات, وهذا هو سر الحقيقة!
وبناء على ماتقدم فإن موجبات العمل الوطني تحتم على الإنسان المنتمي والملتزم العمل بمايلي:
– أن يرتقي إلى المستوى الأعلى فيكون انتماؤه لأمته مقدما على أية انتماءات أخرى.
– أن يكون تباينه وتغايره مع الآخر على أساس من الموقف المسؤول الذي يصدر عن القيم العليا.
– أن يعرف أن خياره في الحياة هو خيار شرف وكرامة, وأن الابتعاد عن ذلك جريمة, وذلك قياسا على ماحدث ومايحدث حاليا في سورية، وهو غير خاف على أحد.
– أن يعرف أن الانتماء والالتزام – وهما خياران توجبهما المصلحة العليا للأمة – خياران مقدسان، وأن التفريط بهما خيانة للمقدسات، لايسلك سبيلهما إلا من فقد القيمة، أو فقد البصر والبصيرة، فضلّ وأضلّ!
رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات