كانت السنوات العشر التي أعقبت استقلال سورية مفجعة ومريرة، بالرغم من الفرحة التي عمّت البلاد بعد رحيل الفرنسيين، بعد أن بدا علم الاستقلال يرفرف في السماء السورية. وسبب المرارة والفجيعة أن السلوكيات الخاطئة التي صدرت عن النخب المثقفة يومئذ كانت مؤذية وضارة, وقد تمثلت وقتها في قضيتين مهمتين:
القضية الأولى تتمثل بإقامة الدولة الوطنية ذات السيادة, التي كانت حلم الوطنيين السوريين، الذين وجدوا أنفسهم محكومين بالأجنبي منذ العام 1918م؛ تاريخ دخول الفرنسيين سورية. وكل الثورات التي قامت في سورية منذ 1918 و حتى1946م كانت من أجل الاستقلال، ومن أجل إقامة الدولة المستقلة فيها. بيد أن الذي حصل بعد ذلك – وهو خطير جدا – أن انقلبت القوات المسلحة التي رباها المحتل على عينه، فسنت سنة الانقلابات التي كانت بمثابة الآفة التي فتكت في الأديم العام، أو الخطأ المسلكي، الذي قاد إلى خطأ أكبر، وأدّى بعد إلى انهيار في جدار الوطنية السورية، التي فقدت هيبتها على أيدي العسكر، الذين أخذوا يصبحونها ويمسّونها بانقلاب يتلو انقلاب، وتمرد يتلوه تمرد، وبالبيان رقم واحد الذي كان يشغل ذاكرة السوريين طوال تلك الفترة, وبالضبط الفترة من 1949 إلى 1954م.
لقد وقع في تلك الحقبة خمسة انقلابات عسكرية وهي حسب تسلسلها الزمني:
انقلاب حسني الزعيم في 30 مارس/آذار1949م.
انقلاب سامي الحناوي في 14 أغسطس/آب 1949م.
انقلاب العقيد أديب الشيشكلي الأول في 9 ديسمبر/كانون الأول 1949م.
انقلاب أديب الشيشكلي الثاني في الثاني من يناير/كانون الثاني1951م.
انقلاب تجمع القوى الوطنية – كما وصف في حينه – وهو أشبه بالحركة المضادة؛ وقد جاء ردا على تصرفات الفرد. وقد وقع في 25 شباط 1954م بعد رحيل العقيد أديب الشيشكلي وكان أكثر ضباطه من البعثيين.
هذه الانقلابات من حيث الواقع كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد جعلت من الدولة السورية ألعوبة بيد العسكر الذين استمرأوا الانقلابات، وبيد النخب المثقفة من الأحزاب السياسية، التي كان كل منها، يحاول أن يجعل منها أداة لتحقيق أهدافه، والتي بطروحاتها النظرية تخرج على القيم الوطنية، التي تختزن في ذاتها تاريخا حضاريا طويلا، يشكل الأرضية الصلبة للحكم الوطني، الذي يعدّ بمثابة الثوابت التي لايجوز الخروج عليها. لكن العسكر الذين تربوا تربية خاصة يوم كانوا جنودا محترفين في قوات المشرق الخاصة، والذين لُقنوا قيمهم من الفرنسيين، كان عليهم قبل أن يصبحوا جنودا سوريين أن يغسلوا أيديهم وأفكارهم سبع مرات بماء بردى، على أن تكون إحداها بالتراب الوطني، لتطهر مما علق بها من درن، تلك الطهارة كان يجب أن تكون بمثابة المقدمة الأولى لارتداء البزة العسكرية السورية، التي يعتبر ارتداؤها الرمز الذي يشرف به صاحبه. كما كان عليها أن تخضع لإعادة تأهيل، جديدة تبدأ بفاتحة الخدمة وتنتهي بنهايتها وهذا الذي لم يحصل.
أسباب تلك الانقلابات ودوافعها الرئيسة تنحصر في ثلاثة أسباب:
السبب الأول يتعلق بالتدخلات الخارجية في السياسة السورية – وقد كانت وراء أكثر هذه الانقلابات – قصد زعزعة الأمن والاستقرار في الدولة الناشئة.
السبب الثاني يتعلق بطبقة الأرستقراطيين، ومنهم أصحاب الزعامة التقليدية وكبار التجار؛ الذين كان استقبالهم للجنرال الفرنسي جورو، ونثرهم الورود والرياحين عليه، وجر عربته إلى داخل دمشق يدل على ذلك. وقد كانت هذه الفئة من الناس، المسؤولة من حيث الواقع عن السري والمعلن من اتفاقية الجلاء، وعن سياسة الحكومات السورية المتعاقبة. ونعتقد أن الاتفاق بين السياسيين السوريين والفرنسيين في ذلك الوقت – وهو أشبه مايكون بالحلقة المفقودة – هو الذي جعل الجيش يستمرأ الانقلابات وهو الذي قاد سورية إلى مكرور الانقلابات، والذي أوصلها بعد إلى مجرور الطائفية.
السبب الثالث يتعلق بالمغامرة وحكم الفرد، ونزعة التسلط وشهوة الحكم، وقد كانت غالبة عند أكثر ضباط الجيش، ومنها جاء القول:”سلموني الحكم يوما ثم اقتلوني”, وهو مرض النخب المثقفة، والعسكريون بعض منهم!!
وهذه الأسباب مجتمعة هي التي قادت إلى الانقلاب تلو الآخر، وهي التي كانت تحمل بشكل جنيني جرثومة العدوى، ومنها انتقلت إلى المراحل اللاحقة، وأدت إلى أخطاء كثيرة، ومنها إراقة الدماء والفوضى والدخول في مشروع (إسقاط النظام) بالقوة المسلحة.
القضية الثانية تتمثل بالسلامة الوطنية والاجتماعية، والأمن والرخاء اللذين كان يتطلع إليهما السوريون بعامة, ومع أن السلامة الوطنية بمفهومها العام كانت شبه مقبولة سيما بعد أن تخلصت البلاد من الحكم الفرنسي إلا أن انعكاسات القضية الفلسطينية على نفوس السوريين – وهم من الشعوب الحية التي لا تسترخص قضاياها الوطنية – أشعرهم جميعا بالغضب، وقد أصبحت قضية فلسطين – بعدها – ذريعة الإنقلابيين، الذين كان عليهم أن يتحدثوا عن مبررات انقلابهم أولا. أما القضية الاجتماعية على وجه التحديد فقد كانت مجالا لكثير من الأخطاء؛ التي ساهم فيها، عدد من الجهات الفاعلة على الساحة السورية ومنها:
الأحزاب الناشئة التي تكونت تكونا جنينيا خاطئا، وكانت متنابذة فيما بينها، ولا تختلف إلا من حيث الأيدلوجية والثقافة الاجتماعية. ومن هذه الأحزاب الحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي كان يتنكر للتاريخ الإسلامي بعامة ويربط تاريخه بتاريخ الآراميين والفنيقيين، وكان قد أسسه أنطون سعادة في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي. وحزب البعث الذي كان يبتعد كثيرا في منطلقاته النظرية عن الجذور الإسلامية، و قد كان يتبنى منهجا انقلابيا في مواجهة الدولة السورية وكان أسسه ميشيل عفلق وصلاح البيطار في أوائل الأربعينيات ثم انضم إليهما بعدئذ في الخمسينيات أكرم الحوراني، ليصبح البعث بعدها حزب البعث العربي الإشتراكي.
الزعامات التقليدية التي كانت مهيئة للظهور على الساحة السورية، وكانت ارتباطاتها الأجنبية تؤهلها للعب ذلك الدور، وهو دور اتصف منذ بدايته بالتآمر وعدم الاستقامة.
المكونات السورية الناشطة التي أيقظها انتصار الحلفاء على الدولة العثمانية بعد الحرب الأولى، وأسال لعابها جورو وسياساته، سيما بعد تجزئة سورية إلى دويلات طائفية، وبعد قراره بإنشاء قوات المشرق الخاصة، ببنيتها الطائفية, وكانت مقبولة من المكونات غير الإسلامية، وقد كانت أشد ظهورا في مرحلة الاستقلال.
هذه الأسباب مجتمعة؛ قادت إلى حمى الانقلابات والاغتيالات، التي راح ضحيتها في ذلك الوقت من العسكريين, هم حسني الزعيم قائد الانقلاب الأول في 30 آذار1949م, وسامي الحناوي قائد الانقلاب الثاني في 14 آب1949م, ومحسن البرازي رئيس وزراء سورية في فترة حكم حسني الزعيم.
كما راح ضحيتها ثلاثة من كبار الضباط المحسوبين على تلك المكونات, وهم المقدم محمد ناصر؛ قائد سلاح الطيران, وقد اغتيل سنة1950م, محسوب على المكون(العلوي), والعقيد عدنان المالكي؛ معاون رئيس الأركان, وقد اغتيل سنة 1955ومحسوب على المكون(السني), والمقدم غسان جديد؛ وكان من الناشطين في صفوف الحزب القومي السوري الاجتماعي, وكان الرأس المدبر لمقتل عدنان المالكي وقد اغتيل سنة1957م, ومحسوب على المكون (العلوي)
وقد اتسمت هذه الاغتيالات في حينها بضراوة المعركة بين المكونات السورية وبخاصة منهم (العلويون والسنة). وتسرب ذلك إلى الجيش الذي كان وضع على محك, فهو إما أن ينقي صفوفه من العملاء والدخلاء والمتآمرين، وإما أن يبقى كل يوم عرضة لاغتيال جديد وحركة انقلابية جديدة أو عصيان أو تمرد. وهذا ماكان ملحوظا بكثرة في ذلك الوقت.
وقد كان من نتائج هذه السلوكيات الخاطئة:
أولا: أنها شجعت روح المغامرة الاجتماعية والعسكرية وأوجدت مناخا ملائما لدى العسكريين والمدنيين الذين كانوا لا يتورعون عن ذلك.
ثانيا: زادت من جفاء المكونات – بعضها لبعض – خلافًا للمعلن, وجعلت التآمر وعلى نطاق واسع، وفي إطار لا أخلاقي وهابط جدا.
ثالثا: سرّعت من وتائر التحركات السياسية، الأمر الذي أدى إلى تطور جديد في قناعات النخب المثقفة التي كانت ترفض الأيدلوجيات الانقلابية، وتعمل من أجل مصلحة الأمة وتقدمها. وبعضهم كان، ذا توجهات ترقى إلى المستوى المقبول؛ إلا أن مرحلة مابين 1946 – 1957 تمخضت عن:
الفوضى وعدم الانضباط, وهو الذي لاحت مظاهره أكثر بين العسكريين.
بروز ظاهرة (اللامنتمي) في أوساط النخب.
القبول بالأمر الواقع، وهو أمر قاد بعد؛ إلى المسلكية الأكثر خطأ، والتي أدت بسورية إلى مراحل أكثر خطرا، من كل التي مرت بها في تاريخها الطويل.
رئيس وحدة الدراسات السورية- مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات