مواقف الأمم والشعوب بعامة؛ مواقف تضحية وفداء، وبطولة ورجولة .. وإباءٌ محض, هو من خصوصية الشهداء والصديقين الذين ترتقي مواهبهم، وتكرم مواقفهم فتحصل بهم المنفعة، والقدوة الحسنة، فيكونون كأقباس من نور، يهتدي بها السالكون ليكونوا على سواء من أمرهم، وليرتقوا صعدا على طريق الكفاح الذي ينشدون به الخلاص من عدوانٍ يتربع على أرضهم، أو طغيانٍ يتحكم في أمرهم، أو غزاة يتأذنوهم بالحرب.
ولاينكص عن المواقف المشرفة، إلا ضليل أو جاهل أو مستضعف واقع في أسر أعدائه، فهو خانع خاضع لا يصدر عنه إلا مايخدم العدو. والثلاثة كل من موقعه أحبولة طاغية، شاء من شاء أو أبى من أبى, وبأي من المظاهر قدم نفسه.
والموقف من هؤلاء ومفاصلتهم مقدمٌ على الموقف من الطاغية ومفاصلته, وعلى أساس منه يكون قوله تعالى:” لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ َ ” المجادلة:22
البينة التي يجب أن تقذف في وجه أولئك الذين اختاروا لأنفسهم، أن يكونوا بطانة لحاكم جائر يتأذن شعبه بالحرب ويستعدي عليه الأجنبي، فيستبيح حرماته ويمعن فيه قتلا وتنكيلا.
وبشار الأسد في سياسة نظامه ومواقفه وتحالفاته، وفي آلته المدمرة- وهو يشن حربا على البلاد السورية- هو ذلك الحاكم الجائر الذي يجب أن يكون للأمة موقف منه، وفي طليعتها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والذين أكثر مايكونون خوفا من الله سبحانه وذلك لمعرفتهم بمآل غضبه، وبموجب نقمته، وبمايجب أن تكون عليه الأمور من حلال أو حرام. ولاينكص عن ذلك إلا الثلاثة الذين مر ذكرهم آنفا؛ الضليل والجاهل والمستضعف الواقع في أسر أعدائه. ونعوذ بالله أن نكون منهم أولا، أو أن ندخل في خانة من يوادهم ثانيا، أو يقف منهم موقف الساكت عن الحق ثالثا. فالأمر جلل، وهو مصاب أمة بكاملها، وجماع الأمر فيه أن الأعداء يخططون لدمار المسلمين، ولطمس حضارتهم، ولاستلابهم حقوقهم.
وواضح أنه يتقدم صفّهُ من المغضوب عليهم فئتان:
الفئة الأولى تتمثل باللامنتمين والمغرر بهم والمساقين قسرا إلى ساحات القتال.
الفئة الثانية تتمثل بعلماء السوء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا بطانة للطاغية ومنهم العالم الشيخ محمد أبو الفتح البيانوني. ففي كلمة وجهها إلى أحبته بعد أن استشهد بقوله تعالى” قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ “ والحديث عن حلب قال: فهيأ الله لها من ينقذها من محنتها، ومن يعيد إليها وحدتها وأمنها، ومن يعمل على تطهير أنحائها، ثم عقب على ذلك بقوله “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُو “.
والذي فهمناه من قوله على وجه الإجمال أن الطيران الروسي الذي شنَّ على المدينة الباسلة أكثر من (70 ألف) طلعة جوية هو من (جنود ربك) وكذلك الميلشيات الأجنبية المستجلبة من بلدان شتى، وقطعان الشبيحة التي عاثت في سورية فسادا. كل أولئك ( من جنود ربك)! ولعل هذا التصور الخاطئ هو الذي قاده إلى القول ” قل بفضل وبر حمته فبذلك فليفرحوا” والمعروف للقاصي والداني أن الطيران الروسي، ومعه طيران النظام، وطيران التحالف أكثر ماكان يستهدف الأسواق العامة والمدارس والمستشفيات والتجمعات السكانية الكبيرة، كل ذلك قصد التغيير الديموجرافي لحلب وماحولها، وأطلال حلب الشرقية والبلدات المحيطة بها من الريف الشمالي والجنوبي تشهد على ذلك, ولسنا في حاجة إلى مزيد, لكن الذي نحن في حاجة إليه أن نهمس في أذنه خمس كلمات:
الكلمة الأولى: وهي قرآنية محضة- تتمثل بقوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون }:23
الكلمة الثانية: وهي السؤال الذي يكاد يكون على كل لسان: ماذا أصابك يارجل؟ وماذا دهاك حتى انقلبت هذا الانقلاب الذي هو الأسوأ في تاريخ العلم والعلماء، وحتى أدليت بهذا البيان الذي أقل مايقال فيه إنه لايصدر عن رجل من أهل العلم، ولا من أهل الفطنة، ولا من أهل الذكاء والخبرة، ولا من المنتمين حقيقة لأمتهم ولدينهم، وحتى لعشيرتهم وأهلهم؟ إذ كيف يكون له ذلك وهو يعيش اليوم في حلب المستباحة من قبل الميلشيات الرافضة، التي أتت على خضراء المدينة بعد أن زلزلت أركانها بالعنقودي والفراغي والارتجاجي وبالبراميل العمياء، وبكل مالديها من متوافر الآلة الحديثة التي جعلت منها أثرا بعد عين؟
والكلمة الثالثة: تتعلق باختبائه وراء العائلة الكريمة، وبما اشتهرت به من مواقف مشرفة، وصلاح ودين، وقد غاب عن ذهنه أن مقام النبوة لم يشفع لأبي لهب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يغن عنه ماله وماكسب؛ بل أسماه الله أبا لهب وتوعده بالنار هو وزوجته، وكذلك الحال بالنسبة لزوجتي نوح ولوط عليهما السلام اللتين لم يشفع لهما مقام النبوة! قال تعالى:
” ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين”
فمن لم يسرع به عمله لن يسرع به نسبه وفي الحديث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه” رواه مسلم. وهذه مسألة يقاس عليها, فـ( كل امريء بما كسب رهين) الطور:21 وارتهانه مرتبط بما قدم وأخر, وهو الذي كان على الشيخ أن يعرفه أولا. ولا نتعالم عليه في هذه. قال تعالى:” إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .” ق:50 وقال أيضا.” وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ.” الزخرف:44.
والكلمة الرابعة: إن الله لايستحي من الحق وفيها أسف وحسرة ولا بشرى. فالتاريخ لايرحم, فالذي سجّل للطوسي الذي كان يتقدم جيش التتار إلى بغداد دوره، والذي حفظ لابن العلقمي خداعه ومكره وقد كان عرابا لهولاكو، سيسجل عن الذين اصطفوا مع طاغية الشام، من أمثال الشامي والبوطي اللذين أفضيا إلى ماقدما, والحسون والرحمون, وأخيرا أبي الفتح الذين كانوا من تابعي النظام ومن خدّامه المخلصين, ولم يقفوا الموقف المشرف الذي يرضاه لهم الله ورسوله سيما في مثل هذه الأيام الحاسمة، وسيعلم القوم ممن خاب فألهم أية خسارة يخسرونها بعد ذلك الفساد العريض، وبعد تلك المواقف الشريرة، التي أصابتهم في الصميم” وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” الشعراء:22
والكلمة الخامسة: وهي الخاتمة، تتعلق بمايجب أن يفعله هو ومن اصطف صفه أو دخل مدخله أو وقف مثل موقفه في خدمة الطواغيت وتتمثل بإجراءات أربع, هي على التوالي:
أولا– أن ينخلع من ربقة الطاغية ومن ولائه له.
ثانيا– أن يبرأ منه قولا وعملا.
ثالثا– أن يتوب إلى الله توبة تتسع لما هو فيه من ذنب.
رابعا- أن يعود إلى موالاة المؤمنين ليكون له مالهم وعليه ماعليهم, وعندئذ سيكون إن شاء الله مشمولا بقوله تعالى” قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا” الزمر 53
رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات