نقل الأخ الدكتور أمير بسام مقتطفات من المقابلة التي تمت مع الأستاذ يوسف ندا، واستنتج منها بعض ما راق له وما تخيّره من الاستنتاجات، ونحب أن نوضح بعض الأمور بخصوص ما جاء في كلام الأستاذ يوسف ندا، وما استنتجه الدكتور أمير بسام، مع تقديرنا لكليهما.
نقل الدكتور أمير قول الأستاذ ندا: (كنت أراجع حسن البنا وعمري 18 عام)، وهذا كلام لا غبار عليه، لأن كل شخص يحق له مراجعة الإمام البنا، لكن الأستاذ يوسف ندا لم يذكر لنا كيف كانت هذه المراجعة، هل كانت على صفحات الجرائد والمجلات، مثلما فعل الأستاذ أحمد السكري؟ أم كانت على المواقع الإخبارية كما يفعل اليوم عصام تليمة ومن لف لفه؟ أم كانت على مواقع التواصل الاجتماعي ليراها ويسمعها القاصي والداني، مع تعليقات أقل ما توصف به أنها خارجة عن حدود اللياقة ومجافية لحسن الخلق؟.
وأذكر هنا لله ثم للتاريخ، مراجعة الشيخ “عويس عبدالوهاب محمد” وهو من الرعيل الأول، وأحد أفراد التنظيم الخاص، عندما قرر الإمام البنا إرسال كتائب المجاهدين إلى فلسطين، وقد اشترط الإمام البنا ألا يذهب للجهاد من كان متزوجاً، وهنا ذهب الشيخ عويس رحمه الله، وهمس في أذن الإمام البنا بأدب جم قائلاً: يا فضيلة الأستاذ: هل يوجد نص من القرآن أو السنة، يحول بين المتزوج وبين أن يحقق أسمى أمنية له؟ وهنا ابتسم الإمام البنا قائلاً: لا يا عويس لا يوجد نص، روح يا عويس جاهد، احنا مش قد الصعايدة – على سبيل الدعابة ـ، أليست هذه مراجعة من جندي لقائده؟؟!!.
وقد استدل الأخ أمير بقول الأستاذ يوسف ندى، في نهاية الحلقة: أن من حق أي فرد في الجماعة أن يبدي رأيه للقيادة ولو على صفحات الإعلام.
ويبقى قول الأستاذ ندا في النهاية قول فرد، صرح به، على الرغم من مخالفته للوائح ونظم الجماعة، فضلا عن أنه يخالف آداب النصيحة الشرعية المتفق عليها، كما قال الشيخ السعدى: من الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين.
وأن النصيحة يجب أن تكون في السر، فلا يجهر بها أمام الناس إلا للمصلحة الراجحة.
قال ابن رجب رحمه الله: كان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سراً، حتّى قال بعضهم : مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبّخه (جامع العلوم والحكم1/ 36(..
وقال ابن حزم رحمه الله: إِذا نصحت فانصح سرا لَا جَهرا، وبتعريض لَا تَصْرِيح ،إِلَّا أَن لَا يفهم المنصوح تعريضك، فَلَا بُد من التَّصْرِيح، فَإِن تعديت هَذِه الْوُجُوه فَأَنت ظَالِم لَا نَاصح. (الأخلاق والسير ص 45).
على أنه إذا افتُرِض أن في الجهر بالنصح مصلحة راجحة: فلا حرج على الناصح أن يجهر بنصحه، كأن يرد على من أخطأ في مسألة هامة أمام الناس، لئلا يغتروا بقوله ويتبعوه على خطئه، كمن ينكر على من أباح الربا، فمثل هذا نصحه علانية مشروع، بل قد يكون واجبا، للمصلحة الراجحة، ودرء المفسدة الغالبة.
قال ابن رجب رحمه الله: إن كان مقصودة مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته: فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. لكن البعض يستدل بإنكار أبى سعيد الخدري – رضي الله عنه – على مروان بن الحكم والى المدينة ، زمن معاوية – رضي الله عنه – بأنه صلى العيد بعد الخطبة مثل الجمعة، فإنكار أبى سعيد من هذا الباب خشية أن يغتر الناس بفعله!!
وأما استدلال الأخ أمير بأن الله نصح الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة وبقيت قرآنا يتلى؛ فهذا كلام لا يصح، ولا يعطيه شرعية في أن يتكلم بما شاء، بمناسبة وغير مناسبة، لأن هذه أمور خاصة بالتشريع، وهذه الأمور اجتهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيها نص، وهنا ينزل القرآن إما أن يقره عليها أو يصوب له اجتهاده، صلى الله عليه وسلم، فهذا قياس مع الفارق كما يقول أهل الأصول!!
وأما قصة الرجل الذى قال لعمر رضي الله عنه، لا سمع ولا طاعة؛ فهذه القصة غير ثابتة، لكن ذكرها ابن قتيبة في عيون الأخبار، وابن الجوزي في صفة الصفوة وفي مناقب عمر، وابن دريد في (أماليه)، وابن حمدون في (التذكرة الحمدونية)، والآبي في (نثر الدر)، ويوسف بن عبد الهادي المبرد في (محض الصواب)، وابن القيم في (إعلام الموقعين)، والخزاعي في (تخريج الدلالات السمعية) ولم يذكروا لها إسنادا.
ولكن ابن قتيبة وابن الجوزي أسندوها إلى العتبي، والعتبي هو محمد بن عبيد الله أبو عبد الرحمن الأموي، قال الذهبي في (السير): كان يشرب، وله تصانيف أدبيات وشهرة. مات سنة 228هـ.
ومثل هذا بينه وبين عصر الصحابة مفاوز بعيدة، فضلاً عما ما في متنها من النكارة.
وقد ذكر الأخ أمير أنه ليس من أدبيات الإخوان المسلمين تخطيئ الناصح على الملأ في الأمور العامة، كذلك ليس من أدبيات الإخوان تخطيئ القيادة وتسفيهها على الملأ، كما يفعل (س)، و (ص) من الذين لاهمّ لهم إلا انتقاد القيادة ليل نهار، على شاشات التلفزة واتهامهم بالفشل !!
ويقول الأخ أمير: على أفراد الصف جميعهم أن يعودوا أنفسهم علي تقبل وجود اختلاف في وجهات النظر، ولا يؤثر ذلك سلبا عليهم، وإلا سنظل نسير وراء رأي واحد وإرادة واحدة (خوفا من الخلاف)، ولو كانت هذه الإرادة وذاك الرأي يؤدي للفشل.
وهنا نقول للأخ الكريم ماذا تعنى بتقبل وجود اختلاف في وجهات النظر؟ إن كنت تقصد تعدد وجهات النظر قبل عرض الأمر على الشورى، فهذا لا بأس به ومطلوب، ولكن بعد عرض الأمر على الشورى، وبعد تمحيص الآراء، فإذا أقرت الشورى رأيا فيجب على الجميع الالتزام به، ولا قيمة لرأي الفرد في هذه الحالة كائناً من كان، بل لا أكون مبالغاً إذا قلت يعتبر رأيه كأن لم يكن!!.
وأما عن قوله: إن الثقة لا تعني عدم المراجعة، وقد ربطها الإمام البنا باطمئنان الجندي لكفاية قائده وإخلاصه، ومما لا شك أن من يتحمل تبعات الدعوة في هذه المرحلة أنه مخلصا (في علم الله) ولكن قد لا يكون كفؤا والحكم على ذلك من أدائه ونتائج قيادته.
أقول: هذا لم يقل به أحد، وإلا لما ذكرنا مراجعة الشيخ عويس للإمام البنا، ونزول الإمام على رأى جندي في الصف، ولكن المرفوض هو التشهير وطرح الأمور على وسائل الإعلام، واعتبار القائد غير كفؤ، وأنه لا يصلح لهذه المرحلة أو تلك، والله أعلم هو نوع من حظوظ النفس عافانا الله من ذلك!!.
أما ادعاء الأخ أمير: إرهاب كل معترض على سياسة خاطئة (من وجهة نظره) أنه ذاق طعم نفسه وراغب في الزعامة وباحث عنها هو نوع من الممارسة الخاطئة في تطبيق علوم التزكية التي ندرسها بإسقاطها على غير موضعها.
فأقول: إن ما يدعيه الأخ هو نوع من الإرهاب الفكري، ويحضرني هنا اعتراض الأستاذ محمد حامد أبو النصر على ترشح قبطي” هو جمال أسعد عبد الملاك” على قوائم الإخوان في أسيوط، ولما أُخبِر بأن هذا رأي الشورى، نزل على ذلك والتزم وذهب إلى أسيوط لدعم مرشح قبطي، ولم يقل أحد بأن الأستاذ أبو النصر خرج على أدبيات الجماعة، بل إنني شاهد بأن أحد الأخوة طالب الدكتور محمود حسين بضرورة فصل بعض الأشخاص كما فعل الأستاذ الهضيبي، فقال له هم إخواننا فرد عليه الأخ بقوله،لقد كان كل من الشيخ الغزالي والشيخ سيد سابق والشيخ عبد المعز عبدالستار والشيخ عبدالعزيز إخواننا ايضا، ولكن لابد من إعمال مبضع الجراح في مثل هذه الظروف، ولم يقل له الدكتور محمود أنت خرجت على أدبيات الجماعة، لكن الخفى النهاية التزم بما ارتأته القيادة، وهو الصالح العام، وهذا من مقتضيات بيعتنا!!.
وأما قول الأخ أمير: لا بد للصف أن يأخذ المبادرة ويتخذ الإجراءات التي بها يصحح الانحراف، إن وجد ويقوي الضعف إن حدث، ويعلم أن عليه مسؤولية أمام الله، وأن عدم تقييمه للأمور وعدم مشاركته في الأحداث بدعوى الثقة والطاعة، إنما هو نوع من الهروب من المسؤولية وفي القرآن قيدت طاعة الرسول صلي الله عليه وسلم في قوله تعالى: (ولا يعصينك في معروف).
وأقول له: هذا القول سبق وأن قاله أحمد منصور لتأليب الصف على قيادته، ولكن ذهبت محاولاته البائسة أدراج الرياح، كما ستذهب أي محاولة من هذا القبيل!!.
ويقول الأخ أمير: في ظل الأزمة التي نحن فيها وصعوبة التواصل أرى أن النصيحة العامة هي الأولى والأجدى فنحن في حاجة لأي فكرة خلاقة أو رأي مبدع، شريطة التزام أخلاق الإسلام وآدابه.
وكأن الأخ توصل لهذا الاستنتاج، بعد أن استعرض عدداً من النقاط، وادعى صعوبة التواصل، وهذا الكلام محل نظر، ويبقى أن ما قاله رأي فردي يعبر عن قائله، لكنه لا يتفق مع لوائح ونظم الجماعة، وبيعتنا على السمع والطاعة، في المنشط والمكره والعسر واليسر!!.
والله من وراء القصد.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات