صدق من قال إن مصر بلد العجائب؛ رغم أنه لم ير رئيس جامعة يهدم مسجد الجامعة لأنه يفرخ الإرهاب, حسب زعمه, ولم ير العسكر يستواون على معظم اقتصاد البلاد، ويحولون الجيش لمؤسسة اقتصادية خاصة لهم ولذويهم، ولم ير برلمان العسكر يسقط عضوية نائب لأنه استقبل السفير الصهيونى فى بيته، ولايتحدثون عن لقاءات قائد الانقلاب بالصهاينة فى العقبة ونيويورك سراً وجهراً.
ومثله الشاعر الذى وصف مصر قائلاً:
يا بلدنا …… فيكِ حاجة محيراني
نزرع القمح فى سنين يطلع القرع فى ثوانى
فيكِ الرشوة والواسطة .. والبعيد يصبح دانى
حتى الغفير ينهب وبعد شهور يصبح غاني
والظلم فيكِ للركب والبرىء يصبح جاني
وهذا ماحدث مع الشاب النابغ عبد الحميد شتا؛ ابن قرية الفرماوي بمحافظة الدقهلية، الذى انتحر غرقا في نهر النيل عام 2003؛ احتجاجا علي خلو كشف المعينين بالسلك الدبلوماسي من اسمه، في مسابقة وزارة الخارجية التي تقدم لها خمسة آلاف شاب، لأنه غير لائق اجتماعيا، ولا ينتمى لعلية القوم، فصعد أعلى كوبري أكتوبر، وألقى بنفسه فى النيل. فبعد أن تخرج فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قرر تحضير رسالة ماجستير موضوعها “دور المحكمة الدستورية في الإصلاح السياسي”، ولكن كان حلمه أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي.
وعندما تقدم لاختبار جهاز التمثيل التجاري للحصول على وظيفة ملحق تجاري، اجتاز جميع الاختبارات؛ الشفوي، والهيئة، والتحريري، بنجاح وكانت ترتيبه الأول، وكانت المفارقة أن جميع من تقدموا للاختبار نجحوا إلا هو، لأنه غير لائق إجتماعياً، لأن والده الحاج على شتا، فلاح بسيط!
وفى الحقيقة أن الشاب عبدالحميد شتا، لم ينتحر، ولكن قتله الفساد واغتاله الظلم.
وفى شهر إبريل الماضى تقدم أحد أعضاء برلمان العسكر، بطلب إحاطة إلى رئيس برلمان العسكر، ضد وزير بترول الانقلاب، طارق المُلا، لإصداره قراراً بتعيين ابنة وزير أوقاف الانقلاب، مخبر أمن الدولة، محمد مختار جمعة في شركة الشرق الأوسط لتكرير البترول (ميدور) الحكومية، وتضمن الطلب طلب معرفة القواعد التي جرى التعيين على أساسها، خاصة أن ابنة وزير الأوقاف حاصلة على ليسانس أدب إنجليزي، وحديثة التخرج (دفعة 2016)، بينما يُعاني الآلاف من خريجي كليات الهندسة، قسم بترول وتعدين، من عدم الحصول على فرصة توظيف بإحدى شركات البترول، لأن قانون الخدمة المدنية، ينص على أن قرارات التعيين فى الوزرات والهيئات الحكومية لا تتم إلا من خلال مسابقة رسمية، ضماناً لمعايير الشفافية والعدالة!
وقبل أيام قليلة تم تعيين حبيبة أحمد عز؛ ابنة أمين التنظيم فى الحزب الوطنى المنحل، والبالغة من العمر خمسا وعشرين سنة، مستشارة لوزير التربية والتعليم، رغم أنه لاعلاقة لها بالتربية والتعليم، وقد قام طارق شوقي؛ وزير التربية والتعليم، بتعيينها مستشارة للتعليم الفني مقابل راتب يصل إلى ثلاثة وأربعين ألف جنيه شهريا, أي ما يوازي راتب خمسة وعشرين معلما، وستكون وظيفة حبيبة مرافقة الوزير فى المؤتمرات والاحتفاليات التي تقيمها الوزارة، فى حين أن هناك أعدادا لاحصر لها أفنت أعمارها فى العمل فى الوزارة، ولم يتجاوزراتبها ثلاثة آلاف جنيه.
وحبيبة ليست الوحيدة المحظوظة، لأن الوزير عين نحو عشرين مستشاراً له كلهم من خارج وزارة التربية والتعليم، ومن خارج كليات التربية ما بين مندوبي إعلانات أو طلاب أو أعضاء في منظمات أجنبية مشبوهة تعمل في مصر، أو حرامى سابق!
وفى الوقت الذى تم تعيين تلك المحظوظة، كانت الشرطة تطارد حملة الماجستير والدكتوراة فى الشوارع المحيطة بمجلس وزراء الانقلاب، وألقت القبض على عدد منهم خلال وقفة احتجاجية لهم أمام مجلس وزراء الانقلاب، احتجاجاً على عدم تعيينهم بالوظائف الحكومية، والمطالبة بتنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء بتعيين الدفعات من 2012 وحتى 2015، فى الوزارات والجهات الحكومية، وقد تمت أحالتهم للنيابة العامة، بتهمة التظاهر بدون تصريح واستعراض القوة، وتعطيل المرور!
وقبل شهور كشفت صحيفة “الفجر” الموالية للنظام الانقلابى، عن خريطة التوريث والمحسوبيات و”كشوف البركة” بتعيينات النيابة العامة وتعيينات أبناء القضاة والقيادات الأمنية العليا.
تعيينات النيابة، لم تكن قاصرة على أبناء القضاة والمستشارين، حسب نظرية الزند فى “الزحف المقدس”، لكن أظهرت التعيينات في هذه الدفعة عن تعيين أبناء قيادات بوزارة الداخلية والجيش، ومن المفاجآت، تعين ضابط شرطة وكيلا للنيابة، كان قد سبق اتهامه رسمياً بقضية التعذيب الشهيرة بالأقصر، والخاصة بتعذيب المواطن طلعت شبيب, حتى الموت، عندما كان معاون مباحث بقسم الأقصر وحوكم بمقتضاها!
وكذلك تعيين أبناء سبعة من الضباط والقيادات الأمنية الكبرى!
وكان وزير عدل الانقلاب الفاشي, محفوظ صابر قد سبق أن صرح بأن ابن عامل النظافة لا يمكن أن يصبح قاضياً أو يعمل في مجال القضاء، لأن القاضي لا بدّ أن يكون قد نشأ في وسط بيئي وإجتماعي مناسب لهذا العمل.. ليس شرطاً أن يكون متفوقاً أو مستحقاً لهذه الوظيفة!
تلك هي الفاشية التى أوجدها النظام العسكري الدكتاتوري،عقب ثورة يوليو، بينما اصطنع أكذوبة إقامة عدالة إجتماعية، من خلال أفلام الخيال العلمي التي رافقت الثورة البائسة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات