د.عزالدين الكومي يكتب: تسريب نيويورك تايمز .. وخيارات “أبوديس ورام الله”!

كالعادة, المسؤولون العرب، يعلنون ويصرحون بأشياء ويملؤون الدنيا صراخا من أجلها، وفى الخفاء يقبلون بكل ما يريد الصهاينة، ومن ورائهم أمريكا. هذا مارأيناه طيلة الصراع العربي الصهيوني، بعد أن قزموا القضية ونقلوها من إطارها الإسلامي الرحب، إلى الإطار العربي، ثم انتهى بها المطاف إلى حبسها فى إطار سلطة أوسلو!

وقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية النقاب عن أربعة تسجيلات صوتية تليفونية، لضابط كبير في مخابرات الانقلاب، يُدعى أشرف الخولي, يؤكد على أن مصر كانت على علم بقرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس, وأن قائد الانقلاب وافق وبارك ذلك!

وقد ركزت تسريبات الخولي على ضرورة إقناع الفلسطينيين بقبول ذلك، لكننا سندين الخطوة كبقية إخوتنا العرب أمام الشعوب! في التسجيلات يبلغ الخولي الأذرع الإعلامية لنظام الانقلاب تعليمات الأجهزة بخصوص مايقولونه عن قرار أمريكا باعتبار القدس عاصمة للدولة الكيان الصهيوني، وقد شملت مكالماته مقدمي البرامج؛ عزمي مجاهد، ومفيد فوزى، وسعيد حساسين، والممثلة يسرا

وقد انصبت تعليمات الخولي على أن مصر ستدين قرار أمريكا في العلن “زي كل اخواتنا العرب، بس عايزينكم تهدّوا المشاهدين وتقنعوهم يقبلوا القرار، إيه يعني, تفرق إيه القدس عن رام الله؟ ثم إنه مش من مصلحتنا أي تصعيد مع الصهاينة، في حين أن ما هو مهم بالنسبة لنا إنهاء معاناة الفلسطينيين، عبر حلّ سياسي يتمثل في رام الله بدل القدس عاصمة لفلسطين، محذراً من انتفاضة فلسطينية قد تضر الأمن القومي المصري، ما نراه خطيراً هو مسألة الانتفاضة، لن تخدم الانتفاضة مصالح الأمن القومي المصري، لأنَّها ستُعيد تنشيط الإسلاميين وحماس، وستولد حماس مرةً أخرى!”

كان التركيز بشكل لافت، على عزمي مجاهد، الذي طلب منه الخولي أن يتهم قطر؛ عدو مصر الإقليمي وحاكمها الأمير تميم بن حمد بأنه مذنب, وأنه يتعاون مع دولة الكيان الصهيوني، وستقول أيضا إن تميم وقطر لديهما علاقات سرية مع إسرائيل.

ورد مجاهد: علاقاتهم واضحة، من دواعي سروري أننى سأدرج ذلك كله في الحلقة القادمة بإذن الله، أمَّا فيما يتعلق بمن يرفضون ذلك الموقف،- يقصد موقف مصر- فقال مجاهد إنَّه ينبغي أن تكون لدينا حافلات تُقِلّ كل أولئك الذين يقولون إنَّهم يريدون القتال من أجل القدس، وتأخذهم فعلاً للقدس. اذهبوا وقاتلوا إن كنتم أقوياء لهذه الدرجة. لقد سئم الناس الشعارات وكل هذا، لا يهمني إلا مصلحة بلدي!

 ويتماهى الموقف المصري مع الموقف السعودي، الذي يتبناه ولي العهد؛ محمد بن سلمان، حول صفقة القرن، وإنها القضية الفلسطينية، حيث أعلنت السعودية موافقتها الضمنية على مطالبة الصهاينة بضم القدس، وباركت قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة للصهاينة، كما قام محمد بن سلمان بتهديد محمود عباس بضرورة قبول رؤية صفقة القرن لإقامة دولة فلسطينية، على بعض المناطق المتفرقة فى الضفة الغربية، وعاصمتها قرية “أبوديس” بدلاً من القدس الشرقية، فى الوقت الذى أعلنت فيه السعودية رفضها لقرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيونى!

فليس غريبا على من يحاصر غزة منذ سنوات، ويضيّق عليها الخناق، وإغراقها بمياه البحر، لقتل رجالها ونسائها وأطفالها جوعا وعطشا ومرضا، أن يقبل فى الخفاء بالتنازل عن القدس، ويزعم أنه يدعم القضية الفلسطينية فى الظاهر، كما يفعل اليوم فى سيناء، بتفريغها من أهلها بزعم محاربة الإرهاب تمهيدا لصفقة القرن!

ولا ينسى بن سلمان أن ترامب هو من أتى به لولاية العهد، فهو مدين لسيده ترامب، كما كشف عن ذلك كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الاستراتيجية السابق، ستيف بانون، بإعلان تورط ترامب والإدارة الأمريكية، في دعم انقلاب في السعودية لصالح محمد بن سلمان.

ولعل الذى جعل الدول العربية تتخندق مع الكيان الصهيوني فى خندق واحد، خاصة مصر والسعودية والإمارات، ضد تركيا وقطر والإخوان المسلمين، واعتبارهم العدو اللدود، بدلاً من الكيان الصهيونى، هو كراهية الإسلاميين، ومحاولة اجتثاثهم، خاصة جماعة الإخوان المسلمين.

وكانت قناة “الجزيرة” قد نقلت عن مصادر أردنية مسئولة، قولها إن السعودية ومصر تحفظتا على طلب الأردن عقد قمة عربية طارئة لمواجهة قرار ترامب، بشأن القدس, وبررتا التحفظ، بأن قمة عربية عادية ستعقد في الرياض في مارس المقبل. فإذا أضفنا إلى ذلك, الكشف عن خيوط مؤامرة لمحاولة انقلابية، ضد ملك الأردن، لأنه على ما يبدو اعترض على بعض تفاصيل صفقة القرن، يتبين لنا بجلاء حقيقة الموقف العربي المهترئ حول القضية الفلسطينية.

وكالعادة سارعت السلطات الانقلابية بنفى ما جاء في تقرير “نيويورك تايمز”, وزعمت أنه يحمل ادعاءات، وأنه تسريبات مزعومة لشخص مجهول، وأن التقرير لم يقدم أدنى دليل لانتماء هذا الشخص لجهاز المخابرات، وأن نشر ادعاءات بشأن موقف

مصر من  القدس، أمر لا يليق بصحيفة كبيرة مثل “نيويورك تايمز”، لأن مواقف مصر من القضايا الدولية لا يتم استنتاجها من تسريبات مزعومة لشخص مجهول، وإنما يعبر عنها رئيس الدولة، ووزير الخارجية، والبيانات، والمواقف الرسمية، وجميع هذه الجهات أعلنت مواقفها بشأن القدس، وترجمته فعليا في مواقف وإجراءات في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى!

والحقيقة أن مواقف السلطات الانقلابية، التى احترفت الكذب، تبرهن على صحة التسريبات، فى ظل التقارب مع الكيان الصهيوني، والرضوخ لمطالب الإدارة الأمريكية!

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …