د/عزالدين الكومي يكتب : حل حزب العمال الكردستاني ونهاية أربعة عقود من الصراع:

تحوّل استراتيجي يُعزّز موقع تركيا الإقليمي والسياسي
في خطوة تاريخية غير مسبوقة، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK)، يوم الاثنين 12 مايو 2025، عن حلّ نفسه ووقف كافة أشكال العمليات العدائية ضد الدولة التركية، استجابةً لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان، الذي يقضي عقوبة السجن المؤبد.
لا شك أن هذا القرار يُعد تحولًا استراتيجيًا سيكون له تداعيات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، شكّل حزب العمال الكردستاني إحدى أبرز أدوات عدم الاستقرار في الداخل التركي، كما كان ورقة ضغط إقليمية تُستثمر من قوى دولية وإقليمية، لا سيما الكيان الصهيوني، الذي طالما راهن على الحزب كأداة لإضعاف تركيا والحد من دورها الإقليمي.
ضربة استراتيجية للكيان الصهيوني
لقد مثّل حزب العمال الكردستاني، في نظر الكيان الصهيوني، وسيلة لزعزعة استقرار تركيا، بما يمنحه هامشًا أوسع للتأثير في المشهد الإقليمي. وعليه، فإن إعلان الحزب عن حل نفسه يُعدّ ضربة قوية، تُفقد الكيان إحدى أهم أوراقه الاستراتيجية، وتُضعف من قدرته على التأثير في السياسة التركية.
تعزيز لمكانة تركيا الإقليمية والدولية
من الناحية الإقليمية، يُعزّز قرار حل الحزب من صورة تركيا كدولة قادرة على إدارة نزاعاتها الداخلية بأساليب سلمية، بعيدًا عن العنف والمواجهة المسلحة. كما يعكس نضجًا سياسيًا في التعامل مع القضية الكردية، وهو ما قد يُساهم في تحسين صورة تركيا على الساحة الدولية، ويعزز من دورها القيادي في قضايا المنطقة.
تأثير داخلي: تعزيز موقف الحكومة وإضعاف المعارضة
داخليًا، يُعتبر هذا القرار ضربة موجعة للمعارضة التركية، التي كانت توظّف وجود الحزب في حملاتها ضد الحكومة، بل وتستثمره كأداة للضغط السياسي. ومع غياب هذه الورقة، تجد المعارضة نفسها في موقف حرج، خاصةً في ظل عدم تقديمها حتى الآن مشروعًا سياسيًا مقنعًا وموحدًا، بخلاف هدفها الرئيسي المتمثل في إزاحة الرئيس أردوغان وحزبه عن الحكم.
وبالتالي، فإن هذا التحوّل قد يُسهم في تعزيز حظوظ حزب العدالة والتنمية الحاكم في الاستمرار بالسلطة لسنوات قادمة، خاصةً إذا نجح في استثمار هذه الخطوة كدليل على قدرته في إحلال السلام الداخلي والحفاظ على وحدة البلاد.
التداعيات على سوريا وقوات سوريا الديمقراطية
أما فيما يتعلق بالتأثيرات الخارجية، وتحديدًا على الوضع في سوريا، فإن قرار حزب العمال الكردستاني لا يشمل بشكل مباشر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو المسلحين المتمركزين في جبال قنديل. إلا أن هذه الجماعات، التي تُعتبر امتدادًا للحزب، قد تجد نفسها أمام واقع جديد يُحتّم عليها إعادة تقييم مسارها. فقسد قد تتعرض لضغوط كبيرة لتتخذ خطوات مشابهة، وإلا فإن أنقرة قد تلجأ إلى شن عمليات عسكرية جديدة ضدها.

بالنسبة لمسلحي جبال قنديل، فإن هذا التطور قد يفرض عليهم التفكير في خيارات سلمية، خاصةً مع تصاعد تيار داخل الحزب يُفضّل العيش بسلام بعد سنوات من الصراع.
نحو تعايش سلمي ونهضة وطنية
أخيرًا، يُعد قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه ووقف العداء المسلح تحولًا جذريًا من شأنه أن يُعيد اللحمة بين مكوّنات المجتمع التركي من أتراك وأكراد وعرب، ويطوي صفحة دامية من التاريخ الحديث، ويفتح الباب أمام التعايش السلمي والتنمية الشاملة. فتركيا، رغم كل التحديات، تظل وطنًا لكل مواطنيها، مهما اختلفت أعراقهم وهوياتهم، رغم بعض الأصوات النشاز التي تُحاول التشويش على هذا المسار.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …