في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الشعوب العربية نحو غزة ومآسي الاحتلال، تبرز في الأردن رواية أمنية تثير تساؤلات جدية: هل باتت مقاومة الاحتلال تهمة؟ وهل أضحى دعم فلسطين مرادفًا لزعزعة الاستقرار؟ هذا المقال التحليلي يُلقي الضوء على حملة شيطنة تستهدف جماعة الإخوان في الأردن، ويكشف الخلفيات الإقليمية والدولية التي تحرك خيوط المشهد.
في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة الغضب الشعبي العربي دعمًا للمقاومة الفلسطينية في غزة، تفاجأ الشارع الأردني بحملة اعتقالات طالت عددًا من النشطاء والنقابيين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، بتهم تتعلق بمحاولة تهريب أسلحة والتخطيط لعمليات ضد أهداف إسرائيلية. وعلى الفور، رُوّجت رواية رسمية وإعلامية تتحدث عن “مخططات لزعزعة استقرار الأردن”، في تجاهل صارخ لما أثبتته التحقيقات من أن الهدف كان مقاومة الاحتلال الصهيوني، لا المساس بأمن البلاد.
مفارقة هذه القضية أن من يُجرَّم اليوم بتهمة “الإرهاب” هم أنفسهم من حملوا همّ الأمة، وسعوا – ولو بوسائل غير تقليدية – إلى نصرة الشعب الفلسطيني الذي يُذبح كل يوم. إن تصوير هؤلاء كخطر داخلي هو عبث بالوعي الجماعي للأردنيين، ومحاولة لقلب الحقائق وتبديل مواقع الخصم والعدو.
فالعدو الحقيقي الذي يستهدف استقرار المنطقة هو الاحتلال الإسرائيلي، وليس أولئك الذين تسعى ضمائرهم لنصرة المظلومين في غزة والضفة. والأردنيون، الذين اختلط دمهم بدماء الشهداء الفلسطينيين على مدار عقود، لا تنطلي عليهم هذه الرواية المشوَّشة التي تُحرّف البوصلة وتُقدِّم أبطالًا حقيقيين كمجرمين مفترضين.
صدى التوجيهات الصهيونية في السياسات المحلية
لا يمكن عزل هذه الحملة عن السياق الأوسع للمؤامرة الصهيونية المستمرة ضد جماعة الإخوان المسلمين، تحديدًا لما تمثله من حاضنة فكرية لحركات المقاومة، وعلى رأسها حركة “حماس”. إسرائيل، التي فشلت في القضاء على المقاومة في غزة رغم كل ما تملك من أدوات القتل، تسعى حاليًا لتجفيف منابع الدعم الشعبي والرمزي لحماس في الخارج، عبر وصم كل من يتعاطف معها أو يدعمها بالإرهاب.
وهكذا، تلتقي بعض الأنظمة – عن وعي أو بضغط خارجي – مع هذا التوجه، فتحوّل كل تحرك إسلامي أو شعبي لنصرة فلسطين إلى “مؤامرة داخلية”، وتُستخدم قوانين مكافحة الإرهاب كغطاء لتصفية هذا الصوت.
لم يكن الإعلام بعيدًا عن هذا الدور، بل كان في طليعة من حاول شيطنة الجماعة، وترويج فكرة أنها تسعى لزعزعة أمن الأردن، متناسيًا أن أبناء هذه الجماعة جزء أصيل من النسيج الوطني الأردني، ولهم تاريخ طويل في حماية الجبهة الداخلية، سواء من خلال العمل الخيري، أو من خلال التمثيل النيابي والنقابي.
في المقابل، وقف الإعلام المستقل والنشطاء على منصات التواصل ليدافعوا عن الحقيقة، ويُظهروا التناقض الفاضح بين ادعاءات “الحفاظ على الأمن” وبين تجريم من يريد مواجهة الاحتلال.
لم تصمت النقابات المهنية، التي طالما كانت صوت الشعب وضميره الحي. فقد استنكرت العديد من الأصوات النقابية هذا الاستهداف، ورفضت تحميل الإخوان مسؤولية “مخططات مفترضة” ضد الدولة، خاصة في ظل غياب أي دليل على نية الإضرار بالأمن الداخلي.
أما الشارع الأردني، الذي ينبض بالتعاطف مع فلسطين، فلم تنطلِ عليه هذه اللعبة. فالجميع يدرك أن معاداة الإخوان اليوم ليست إلا تمهيدًا لمعاقبة كل من يجرؤ على دعم حماس أو مجرد رفع علم فلسطين.
وسط هذه الحملة المتصاعدة، لا يبدو مستبعدًا أن تقدم الدولة على خطوة دراماتيكية غير مسبوقة: حل جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بشكل كامل أو فرض قيود قانونية قاسية تحد من وجودها التنظيمي والسياسي، تحت ذرائع “الأمن القومي” و”محاربة التطرف”.
مثل هذه الخطوة، إن تمت، لن تكون بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، بل ستكون تنفيذًا مباشرًا لرغبة صهيونية معلنة، طالما سعت لتصفية الجماعة سياسيًا وتشويه صورتها شعبيًا، نظرًا لارتباطها التاريخي بالمقاومة الفلسطينية، لا سيما حركة حماس.
لكنّ حل الجماعة – إن حدث – لن يكون ضربة للإخوان وحدهم، بل سيكون ضربة لروح التعددية السياسية في الأردن، ورسالة مخيفة لكل من يعارض التطبيع أو يدافع عن المقاومة. إن الدولة التي تُقدم على اجتثاث مكوّن وطني شارك لعقود في الحياة السياسية، تُعلن فعليًا نهاية مرحلة كانت فيها المعارضة جزءًا من نسيج الدولة، وتدخل في طور جديد عنوانه: الصوت الواحد، والرأي الواحد، والتحالف العلني مع أجندات الخارج.
ما يحدث ليس مجرد قضية أمنية، بل هو جزء من معركة وعي أكبر. معركة تحاول فيها الصهيونية أن تفرض روايتها على الجميع، وأن تُسكت كل الأصوات الحرة التي ترفض الاحتلال والتطبيع. وهي معركة علينا أن ننتبه لها جيدًا، لأن نتائجها لا تتوقف عند جماعة أو أفراد، بل تمس مستقبل الأمة، وحقها في مقاومة الظلم والاحتلال.
لن يكون منصفًا ولا مقبولًا أن يُجرَّم الأحرار وتُدان المقاومة، بينما يُفتح الباب على مصراعيه لتبرير التطبيع وتجميل المحتل. وما أُخذ من كرامة الشعوب بالظلم والتضليل لن يُستعاد إلا بالوعي والتضامن وكشف الحقيقة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات