على طريقة أفلام الحب من طرف واحد التي تعرض قصة معاناه شاب وقع في حب فتاة قابلها بالصدفة في مصعد العمل ، وعلى الرغم من إظهار اهتمامه بها فهي لا تبادله نفس الشعور ، وفجأة يكتشف أنه غارق في الأوهام بعدما يعلم أن حبيبته خطبت لشاب آخر تقدم لها .. بدأ منذ أيام ما بات يعرف ب “الحوار الوطني” مشروطاً بخطوط حمراء أعلنها ضياء رشوان المنسق العام لهذا “الحوار الوطني” ، حينما أعلن بأن مجلس أمناء الحوار الوطني استبعد وبالإجماع ثلاث قضايا من الحوار ، وهي : تعديل الدستور ، وقضايا الأمن القومي ، والسياسة الخارجية !!! .
ونحن بدورنا نتساءل : كيف يكون هذا حواراً وطنياً في ظل هذه الخطوط الحمراء التي وضعها ضياء رشوان؟؟!!
وعلى ماذا سيتحاور المتحاورون إذن؟ خاصة وأن هناك استبعاد لأطراف أساسية ، يعتبر الحوار في غيابها مجرد مكلمة للفضفضة والتنفيس فقط .
ثم يأتي استثناء موضوعات في غاية الأهمية مثل : الدستور والسياسة الخارجية وقضايا الأمن القومي !!! فبدون هذه القضايا الأساسية فإنه لا جدوى منتظرة من وراء هذا الحوار من الأساس !! .
فكأن هذا الحوار هو حوار من طرف واحد وهو عدد من الأفراد الداعمين للنظام !! .
فلذلك لا يتوقع أحد من هذا الحوار أن يقدم حلولاً وأفكارًا لمعالجة التحديات الاقتصادية والسياسية وغيرها من التحديات التي تواجهها البلاد في ظل استمرار القمع الأمني ضد المعارضين ، وتحميل الشعب تبعات الأزمات الاقتصادية ، والتنصل من أي مسؤلية عن المصائب والكوارث التي تسبب فيها النظامالانقلابي منذ مجيئه ، وتعليق المشاكل على شماعات أثبتت الأيام عدم صحتها ، ولايمكن أن تقنع حتى طفلاً رضيعاً !! .
ولكن الحركة المدنية التي تتكون من عدد من الأحزاب الكرتونية والتي”تعشق سلطة الانقلاب من طرف واحد” لا زالت مقتنعة بأنه يمكن للحدأة أن تلقى عليهم بالكتاكيت !! وأن الحوار الوطني يمكن أن يكون بمثابة فرصة لإطلاق عملية سياسية تقر الحق في التعددية والتنوع باعتبارهما مصدر القوة لأي دولة محترمة .
لكن الحقيقة فإن النظام الانقلابي غير عابئ بهذه الأمنيات وأحلام اليقظة لدى الحركة المدنية ، ولكنه وجد في لعبة الحوار الوطني ما يواجه به حالة السخط الشعبي من المواطنين على النظام ، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الماضية منذ الانقلاب العسكري .
فبعد سنوات من السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية ، فإن النظام يحاول هو وإعلامه المأجور التنصل من المسئولية ، وتحميل الشعب المسؤلية ، متدثراً بالحوار الوطني مع المعارضة ، لإيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية ، وبذلك يكون الجميع مشارك لئلا يتحمل المسئولة بمفرده .
هذا من جهة .. ومن جهة أخرى يحاول النظام استغلال الحوار الوطني في تحسين صورته أمام دول العالم ،
وتخفيف حدة النقد الموجه له في الصحافة الغربية ومن جماعات حقوق الإنسان .
ولذلك تحول الحوار الوطني إلى مجرد خطب رنانة مثل التي أتحفنا بها الوزير”عمرو موسى” عن وضع الاقتصاد قائلاً : “أين فقه الأولويات في اختيار المشروعات؟ أين مبادئ الشفافية؟ ما هي حالة الديون المتراكمة ومجالات إنفاقها ، وكيفية سدادها والاقتصاد كما نعلم متعب مرهق؟”.
ونفس الشيء فعلته “جميلة إسماعيل” رئيسة حزب الدستور والتي جعلت عنوان خطبتها نحن هنا !!
وبنفس الروح رفع “فريد زهران” رئيس “الحزب المصري الديمقراطي” عقيرته قائلاً : “إن هناك ضمانات سبق أن تم الاتفاق عليها مع الجهات الراعية والداعمة للحوار الوطني لكنها لم تتحقق ، وأن الأزمة قد يكون لها طابع سياسي أواقتصادي أو اجتماعي ، وأن هناك رأياً يقول إن الدولة فعلت ما عليها وكانت في وضع جيد قبل أن تحدث جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية – لكنه لا يوافق على ذلك – وأن الأزمات الحالية لا تستند فقط إلى كورونا والحرب الروسية الأوكرانية ولكن هناك قرارات نتجت عن تلك الأزمات” .
لكن فريد زهران لم يجرؤ على التصريح بالسبب الحقيقي للأزمات التي تعاني منها البلاد ، لأن الحلول المسكوت عنها لا يستطيع أحد أن يبوح بها كأنها أسرار الصوفية التي قال عنها قائلهم : “إن باحو بالسر تباح دماؤهم” ، وفي حالتنا هذه لاتباح دماؤهم فقط بل دماؤهم ودماء ذويهم !! .
والحلول الناجعة لمشاكل مصر – والتي لا يستطيع المتحاورن البوح بها لأنها من الأسرار – فإنها ببساطة شديدة كالآتي :
1- الإعلان عن انتخابات حرة ونزيهة بإشراف قضائي حقيقي كامل ورقابة دولية لا يشارك فيها قائد الانقلاب ولا أحد ممن تلطخت أيديهم بدماء المصريين ولو بشطر كلمة .
2- تطبيق مشروع متكامل للعدالة الانتقالية ومحاسبة كل من تسبب فيما آلت إليه الأوضاع في البلاد كائنا من كان .
3-خروج الجيش من الحياة السياسية والعودة للثكنات لحماية الحدود والثغور ، والتخلي عن كل المشروعات الاقتصادية التي سيطر على اقتصاد البلاد من خلالها !! .
4- إقامة حوار وطني شعبي حقيقي لا يستبعد أحداً وبدون خطوط حمراء لإيجاد حلول حقيقية للمشاكل التي أوقعنا فيها النظام الانقلابي .
5- إلغاء كافة الاتفاقيات التي عقدها النظام الانقلابي واعتبارها كأن لم تكن ، وإنهاء الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي فهو رأس كل خطيئة اقتصادية .
6-الاستفادة من مخرجات الحوار الشعبي الذي دشنته شخصيات معارضة في الخارج وكان حواراً شعبياً حقيقياً بلا خطوط حمراء .
وبالرغم من أن الحركة المدنية وافقت على المشاركة في الحوار ووضعت عدة شروط للمشاركة من أبرزها رفع الظلم عن جميع سجناء الرأي ، وأن يكون الحوار بين شركاء متكافئين ، بلا مصادرة ولا مكايدة ولا خطوط حمراء .. إلا أن النظام لم يلتزم بأي من هذه الشروط ولم يقدم أية ضمانات لإنجاح الحوار ، ورغم ذلك فإن الحركة المدنية هرولت للمشاركة في هذا الحوار المحكوم عليه بالفشل من قبل أن يبدأ ؟!
وقد أوضح أحد مطبلية النظام ” أشرف السعد” عن مخرجات الحوار الوطني المزعوم فقال “الحوار الوطني من أجل تغيير محافظ أو رئيس مدينة أو وزير غير سيادي أو تسفلت شارع أو تفرج عن أي سجين لاينتمي لجماعة الإخوان أو من أجل الدورة الزراعية أو سعر الدولار أو المعاشات .. لكن تقرب من فخامة الرئيس وربنا وربنا هتتنفخ”!!! .
فهل بعد ذلك يمكن أن يثق أحد في حوار من طرف واحد؟ .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات