د عز الدين الكومي يكتب : الدعوة للترفيه والصعود للهاوية

قرأت مقالا في موقع العربية بعنوان “حول الترفيه وآثاره الاجتماعية” لكاتبه :” فهد بن سليمان الشقيران”، يقدم الكاتب من خلاله رؤية السعودية للترفيه ، وأنه له من الفوائد ما لا يحصى !! ، وأن السعودية وضعت أسساً للترفيه على أصولها ، من الترفيه المحكم النزيه !.

ثم انتقل الكاتب مباشرة ليعدد لنا فوائد الترفيه ، وأن الفن بصفة عامة يدرّب الذوق ، ويساعد على رؤية الأمور بنسبية أكبر ، وأن انعدام الترفيه يجمّد المجتمعات ، ويحوّلها إلى ركامٍ من البشر ! .
لكن الكاتب نسي أن يخبرنا عن أي فنٍّ يتحدث ، هل الرقص والمجون والابتذال والسقوط يرتقي بالذوق الإنساني؟!
فالترويح عن النفوس مطلوب  .. نعم ، لكن لابد أن يكون ذلك الترفيه منضبط بضوابط الشرع بعيداً عن الإبتذال.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال لحنظلة : يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ.
وليس على طريقة الكاتب :  ساعة لقلبك وساعة لربك .
فالإنسان يحتاج إلى الترفيه في مختلف سني حياته ، يحتاج إليه في سن الطفولة فيكون الترفيه بالدمى والأغاني والمراجيح مثلاً ، وفي شبابه يحتاج لممارسة الألعاب الرياضية والضحك والمزاح مع أصدقائه  ،
وعندما يبلغ الإنسان سن العمل ويجتهد في أداء الواجبات المطلوبة منه طوال أيام الأسبوع فإنه يحتاج إلى نوع آخر من الترفيه والراحة مثل رحلة في عطلة نهاية الأسبوع ، أو زيارة لمدينة أو ماشابه ذلك .
وهو مافهمه علي بن أبي طالب – رضى الله عنه- إذ يقول: (إن للقلوب إقبالاً وإدبارًا، ونشاطًا وفتورًا، فإذا أقبلت بصرتْ وفهمتْ، وإذا أدبرتْ كَلَّتْ ومَلَّتْ».
وكان عبدالله بن عباس رضي الله عنه يقول دائمًا في ختام دروسه: «أَملحونا وروحونا»، يقصد أرووا لنا بعضًا من مُلح العرب وطرائفهم، لكي ترتاح نفوسهم بشيء من الطرائف تجعلهم يبتسمون أو يضحكون.
وهذا أبوالدرداء رضي الله عنه يقول : إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو، ليكون أقوى لي على الحق .
فالترويح عن النفس يمكن أن يكون له بعد تعبدي إذا احتسبه الإنسان قربة لله أو ليتقوى به على الطاعة .
وفرق كبير بين هذا الترويح المباح عن النفس والذي قصده هؤلاء العظام من الصحابة والتابعين  .. وبين ما يراه الكاتب السعودي من “أن المجتمع لا يمكن أن يعيش بدون ترفيه ، لأن للترفيه نتائج هامة ومفيدة تنموياً، ومعينة على مساهمة المجتمع وتفاعله مع السياسي في اتخاذ الإجراءات الصائبة تنموياً واقتصادياً واجتماعياً” .
فهذا حق أريد به باطل ، فلا أحد ينكر أن الترفيه الهادف يحقق هذه المنافع وزيادة ، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم  يرفهون عن أنفسهم ويتمازحون ، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن بكر بن عبد الله قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمازحون حتى يتبادحون بالشيء ، فإذا حزبهم أمر كانوا هم الرجال أصحاب الأمر).
ولكن الترفيه الذي يروّج له الكاتب في السعودية اليوم وأصبح فرضًا على كل سعودي لا يستطيع الفكاك منه وإلا اتهم بالرجعية وهدد بالاعتقال .. فإنه ترفيه محرم شرعا لما يحتويه من رقص وعري واختلاط بين الشباب والفتيات وبين الرجال والنساء  .
كما اعتبر الكاتب “أن غياب الترفيه هو السبب فى حالة الاحتقان المنتج للتطرف ، والهيجان المسبب للاضطرابات الواقعية ، وانتشار الظواهر الفجّة أمنياً وأخلاقياً بسبب غياب النفس الترفيهي ، مما يؤدي إلى نتائج كارثية سياسياً” .
وهذا هو بيت القصيد ، فالترفيه المقصود إذن هو ذلك الانحلال الذي يريدون إغراق الشباب والفتيات فيه فلا يلتزمون بتعاليم دينهم ولا يطالبون بحقوقهم السياسية  .
ثم يقول الكاتب “وحين يتأسس مجال رحب مشبع بالترفيه تتصاعد الرغبة في الحياة ، وتخفّ عدوى اليأس ، ويكسر جليد المقاومة للآخر ، والمعاندة له ، ونهبط من عليائنا النرجسية التاريخية إلى الأرض ، حيث البشر الآخرون ، والأمم المشاركة لنا بهذا الكوكب” .
ونحن نقول لهذا الكاتب وغيره : إن الحياة السعيدة والمجتمعات السعيدة لا تبنى على الترفيه التافه المتهافت المغضب لله تعالى ، بل تبنى على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وحسب هديه الشريف وأخلاق وسلوك أصحابه والتابعين لهم بإحسان  .
واختتم الكاتب مقاله “بأن الإنسان كائن ضاحك ، يقاوم حيرته بالسخرية ، ويباغت وجوده بالحركة والقول ، ويؤنس وحشته بالحوار ، ويذلّل من أسئلته الكبرى عبر توزيعها على شخصياتٍ تتكون منها مسرحيته في ذهنه ووجوده” .
وكأن المسلم الملتزم لايكون إلا عابس الوجه ، مقطَّب الجبين ، كالح المنظر ، كما تصوره أفلام الترفيه التي يريدها الكاتب !!! .
فالإسلام لا يمنع أتباعه من المرح أو الدعابة المباحة ، وقد عُرف بذلك بعض الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقره عليه ، واستمر على ذلك من بعده وقَبِله الصحابة ، ولم يجدوا فيه ما ينكر.
ومن هؤلاء المعروفين بروح المرح والفكاهة والميل إلى الضحك والمزاح : النعيمان بن عمر الأنصاري رضي الله عنه ، والذي رويت عنه في ذلك نوادر عجيبة وغريبة .
وهو ممن شهد بيعة العقبة الأخيرة ، وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق ، والمشاهد كلها.
فعن عمربن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً ، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ، فأتي به يوما فأمر به فجُلِد فقال رجل من القوم اللهم العنه .. ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) .
ومقال الكاتب لايختلف كثيراًعن دعوة “رفاعة رافع الطهطاوي” في كتابه “تخليص الإبريز في وصف باريز”،
الذي تحدث فيه عن فوائد الرقص الفرنسي فقال : “وقد قلنا إن الرقص عندهم من الفنون ، وقد أشار إليه المسعودي في تاريخه “مروج الذهب” فهو نظير المصارعة في موازنة الأعضاء ودفع قوى بعضها إلى بعض ، ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس ، وكأنه نوع من العيافة والشلبنة ، لا من الفسق ، فلذلك كان دائماً غير خارج عن قوانين الحياء” .
ثم يشرح قواعد الرقص وآدابه فيقول : “قد يقع من الرقص رقصة مخصوصة ، فيرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه ، وأغلب الأوقات يمسكها بيده” !!!! .
و قد أعجب محمد علي باشا بهذا الكتاب وقرأه بناء على تزكية له من الشيخ “حسن العطار”شيخ الأزهر في ذلك الوقت ، فأصدر أمراً بقراءته في قصوره ، وتوزيعه على الدواوين والوجوه والأعيان بعد طبعه ، وأمر بتلاوته في المدارس المصرية ، وقد طبع في عهده مرتين !! .
وللأسف فإن هؤلاء لا يعتبرون بما يحدث في مصر من مفاسد وشرور ، جراء دعوات رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ، فيريدون تجريب المجرب !!!!!
والله تعالى يقول : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)الحشر(2)

شاهد أيضاً

حماس في ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي: جرائم الاحتلال لن تسقط بالتقادم

 أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس، يوم الأربعاء، أنَّ جرائم الاحتلال لن تسقط بالتقادم ولن تفلح …