في ظل التقرير الدامغ الصادر عن اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، يبرز سؤال حاسم يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية: هل يمثل هذا “العلو” الصهيوني – أي الغرور والتجاهل المتعمد للقانون الدولي والإنسانية – قمة الغرور التي غالباً ما تسبق سقوط الدول والإمبراطوريات؟ التقرير، الذي صدر في 16 سبتمبر 2025، يخلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، مستنداً إلى تحقيقات شاملة تغطي الفترة من 7 أكتوبر 2023 حتى 31 يوليو 2025.
هذا التقرير ليس مجرد وثيقة قانونية؛ إنه صرخة تحذيرية للمجتمع الدولي بأكمله، يدعو إلى وقف فوري لهذه الجريمة ومعاقبة المسؤولين، بما في ذلك قادة إسرائيليين مثل الرئيس إسحاق هرتسوغ، ونتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، الذين اتهموا بالتحريض على الإبادة.
لكن في الوقت نفسه، يأتي تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي إسرائيل كاتس ليؤكد هذا العلو الصهيوني: “سنحرق غزة وسكانها بالكامل”، وهو تصريح يتجاهل تماماً التحذيرات الدولية ويصر على التصعيد.
هذا التصريح، الذي تردد في وسائل الإعلام العربية والدولية، ليس مجرد خطاب حماسي؛ إنه تعبير عن نية الإبادة الجماعية التي أكدتها اللجنة، مستنداً إلى أدلة مباشرة من تصريحات السلطات الإسرائيلية ونمط سلوك قواتها الأمنية.
خلفية التقرير الأممي: إثبات الإبادة الجماعية بدأت اللجنة التحقيق الدولية المستقلة عملها في 2021 بتكليف من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لكن التقرير الحالي يركز على الأحداث منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أسفرعن مقتل وأسر إسرائيليين، لكنه تحول إلى حملة عسكرية إسرائيلية أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية في غزة.
التقرير، الذي أعدته لجنة برئاسة نافي بيلاي (القاضية الجنوب أفريقية السابقة في محكمة الجنائيات الدولية)، يخلص إلى أن إسرائيل ارتكبت أربعة من الأفعال الإبادية الخمسة المنصوص عليها في اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948: القتل الجماعي، الحاق أذى جسدي أو عقلي خطير، فرض ظروف معيشية مدمرة (مثل التجويع والحصار)، ومنع الإنجاب من خلال تدمير مرافق الرعاية الصحية والخصوبة.
لإثبات “النية الإبادية”، اعتمدت اللجنة معيار “الاستنتاج المعقول الوحيد” الذي حددته محكمة العدل الدولية في قضية البوسنة ضد صربيا عام 2007. هذا المعيار يعني أن النية تُستنتج من التصريحات الصريحة والأفعال المنهجية.
على سبيل المثال، أشارت اللجنة إلى تصريحات قادة إسرائيليين مثل نتنياهو الذي وصف العملية بـ”القضاء على حماس” بطريقة تشمل المدنيين، وغالانت الذي تحدث عن “حصار كامل” يمنع الغذاء والوقود. كما حللت نمط السلوك: تدمير أكثر من 80% من المستشفيات، قصف المدارس، وفرض مجاعة أدت إلى وفاة آلاف الأطفال، كما وثقته يونيسف.
بيلاي قالت صراحة: “من الواضح أن هناك نية لتدمير الفلسطينيين في غزة من خلال أفعال تفي بمعايير اتفاقية الإبادة”.هذا التقرير ليس الأول؛ إنه يبني على تحقيقات سابقة، ويُعتبر “الأكثر سلطة” حتى الآن، كما وصفته وسائل إعلام مثل CNN وBBC. منظمات مثل أمنستي إنترناشونال وهيومن رايتس ووتش أيدت النتائج، مشيرة إلى أنها تؤكد “إبادة مباشرة” مدعومة بالدليل.
رد الفعل الإسرائيلي: تجاهل الدولي وتصعيد العلوفي المقابل، رفضت إسرائيل التقرير “بشدة”، معتبرة إياه “كاذباً ومعادياً للسامية”، كما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية. لكن أبرز تعبير عن هذا العلو جاء من وزير الدفاع إسرائيل كاتس، الذي صرح بأنهم “سيحرقون غزة وسكانها بالكامل”، في سياق يتجاهل تماماً التحذيرات الأممية.
بالطبع إسرائيل لم تتخذ أي إجراءات ضد قادتها الذين حرضوا على الجرائم.
هذا التجاهل ليس جديداً؛ إسرائيل رفضت أوامر محكمة العدل الدولية في مارس 2024 بتوفير المساعدات الإنسانية، واستمرت في حصار غزة، مما أدى إلى إعلان الأمم المتحدة عن مجاعة في أغسطس 2025. من الواضح ان تأثير العلو الصهيوني على المجتمع الدولي وخارجه ما يعني الشعور بالتفوق والاستثنائية، حيث تتجاهل إسرائيل القرارات الدولية وتستمر في جرائمها، متكئة على دعم غربي.
الولايات المتحدة، أكبر داعم لإسرائيل، وصفت التقرير بـ”النفاق”، ولم توقف شحنات الأسلحة، مما يجعلها متواطئة قانونياً بموجب اتفاقية الإبادة.
أما أوروبا، فقد أدانت بعض الدول مثل إسبانيا والنرويج التقرير، ودعت إلى وقف التصدير العسكري، لكن الاتحاد الأوروبي ككل يتردد بسبب الضغوط السياسية. هذا العلو يقوض مصداقية الغرب كمدافع عن حقوق الإنسان، خاصة بعد فشله في وقف الجرائم في رواندا أو سربرينيتسا.
الدول العربية والإسلامية: دول مثل مصر والأردن والسعودية أدانت التقرير ودعت إلى تدخل فوري، لكن اتفاقيات التطبيع (مثل أبراهام أكوردز) تجعل ردودها ضعيفة.
هذا العلو سيقسم العالم: فهو يعزز التحالفات الغربية-الإسرائيلية، لكنه يعزل إسرائيل دولياً، مع دعوات متزايدة لعقوبات من الأمم المتحدة.
لكن السؤال المطروح هو،هل هذا العلو يسبق زوال دولة إسرائيل؟التاريخ مليء بأمثلة على إمبراطوريات سقطت بسبب غرورها: الإمبراطورية الرومانية تجاهلت التمردات حتى انهارت، والنازية الألمانية اعتمدت على “التفوق العرقي” فانتهت بهزيمتها في 1945.
وإسرائيل، التي تأسست سنة 1948 على أنقاض النكبة، تعتمد على “الأمن القومي” كغطاء للعلو، لكن الأمن القومي سينهار حتماً.
قد يمنع الدعم الأمريكي الزوال الفوري، لكن التاريخ يشهد أن الغرور يؤدي إلى السقوط عندما يفقد الدعم الدولي. نعم، هذا العلو قد يكون السابقة لزوال إسرائيل كدولة استعمارية، إذا تصرف المجتمع الدولي بجدية، كما حذرت بيلاي: “كل يوم من التقاعس يُزهق أرواحاً ويُقوّض مصداقية المجتمع الدولي”
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات