في أعقاب رد حركة حماس على خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، انقسم الرأي العام الفلسطيني والعربي إلى فريقين متعارضين، كما لو أن المعركة الدبلوماسية امتدادٌ للحرب الميدانية.
فريقٌ يرى في الرد “رفع الراية البيضاء”واستسلامًا تحت ضغوط الوسطاء وتهديدات ترامب، معتبرًا أن قبول إطلاق الرهائن يعني التخلي عن السيطرة على غزة دون ضمانات حقيقية.
وفريقٌ آخر يحتفل به كانتصارٍ دبلوماسي يُجبر ترامب على نشر الخطة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويُلقي الكرة في ملعب نتنياهو، مع شروطٍ ترفض تسليم السلاح وتؤكد على إدارة فلسطينية خالصة.
هذا الانقسام ليس جديدًا؛ إنه يعكس التوتر بين رؤى متطرفة في لحظة تاريخية حساسة، حيث تتوقف حياة الآلاف على خيط تفاوضي رفيع.
لكن، من وجهة نظري، كلا الفريقين يغفلان جوهر اللحظة: الرد ليس انتصارًا مطلقًا ولا هزيمةً مذلة، بل خطوة واقعية مسؤولة تحافظ على الثوابت الفلسطينية، وتفتح بابًا لوقف النزيف اليومي في غزة.
وإذا كان لا بد من ترجيح الميزان، فإن الرؤية الثانية أقرب إلى الصواب، لكن مع رؤية أوسع تركز على المخاطر المستقبلية والحاجة إلى وحدة فلسطينية شاملة.
فقد أعلن ترامب خطته المكونة من 20 نقطة في 30 سبتمبر 2025، خلال لقائه بنتنياهو في البيت الأبيض. الخطة تطالب بإطلاق فوري لـ48 أسير إسرائيلي (أحياء وأموات) مقابل إطلاق سراح 250 فلسطينيًا مدانين بالإعدام المؤبد و1700 معتقل آخرين، مع انسحاب إسرائيلي جزئي من غزة وإشراف دولي على إعادة الإعمار.
لكن الخطة تحمل مخاطر: تطالب بتجريد حماس من سلاحها، وإقامة إدارة دولية بقيادة “لجنة سلام” يرأسها ترامب، دون ضمان وقف دائم للحرب أو عودة كاملة للأرض.
في 3 أكتوبر 2025، ردت حماس بعد مشاورات داخلية ومع فصائل أخرى، موافقةً على إطلاق الرهائن مقابل انسحاب إسرائيلي كامل و”شروط ميدانية مناسبة”، مع تسليم إدارة غزة إلى “جسم فلسطيني مستقل من التقنوقراطيين بناءً على إجماع وطني” بدعم عربي وإسلامي.
رفضت حماس صراحةً الإدارة الدولية ونزع السلاح، مطالبةً بمناقشة هذه القضايا في “إطار فلسطيني شامل يشمل حماس”.
هذا الرد دفع ترامب إلى تغريدة على”تروث سوشيال” “أعتقد أنهم جاهزون لسلام دائم… يجب على إسرائيل إيقاف القصف فورًا لإخراج الرهائن بسلام”، مما أثار صدمة في تل أبيب، حيث عقد نتنياهو اجتماعًا طارئًا مع وزرائه اليمينيين بن غفير وسموتريتش لمواجهة “الارتباك الداخلي”.
الفريق الأول: اتهام بالاستسلام، الفريق الذي يتهم حماس بالاستسلام يقوم على سوء فهم جوهري للدبلوماسية كأداة حرب، لا على ضعف.
هل قبول إطلاق الأسري استسلام؟ هذا تقليل من شأن تضحيات غزة، التي دفعت ثمنًا باهظًا – أكثر من 70 ألف شهيد ونزوح جماعي – لتصل إلى هذه النقطة. حماس لم تقبل الخطة كاملة، بل فرضت شروطًا حاسمة: رفض الإدارة الدولية التي يريدها نتنياهو لتحويل غزة إلى محمية استعمارية، ورفض نزع السلاح الذي يعني تفكيك المقاومة.
بل إنها ألقت الكرة في ملعب نتنياهو، مما يجعل أي فشل في التفاوض مسؤولية إسرائيل إذا رفضت الانسحاب الكامل.
ترامب نفسه دعا إسرائيل لوقف القصف، وهو تطور لم يحدث خلال عامين دون ضغط فلسطيني. هذا الفريق يتجاهل أن الدبلوماسية ليست خيانة، بل سلاحٌ آخر للمقاومة، خاصة بعد أن أثبتت حماس صمودها أمام جيش الاحتلال والغرب مجتمعين.
الفريق الثاني: الاحتفال بالانتصارالفريق الثاني يرى في الرد انتصارًا دبلوماسيًا، معتبرًا أنه أحرج ترامب ونتنياهو، خاصة بنشر الخطة على وسائل التواصل. شروط حماس – رفض الإدارة الدولية والحفاظ على السلاح – تحمي غزة من انتداب جديد وتؤكد السيادة الفلسطينية. لكن هل هذا انتصار كامل؟ الرد يفتح باب المفاوضات، لكنه لا يضمن وقفًا دائمًا للحرب. ترامب حدد مهلة 72 ساعة لإطلاق الأسري، ونتنياهو قد يستغل الشروط لمواصلة تهديداته، رغم أن تهديداته تبدو فارغة بعد فشله طوال عامين في تحقيق أهدافه.
هذا الفريق يقترب من الصواب في رؤيته الاستراتيجية، لكنه يغفل أن الدبلوماسية جسرٌ إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا.
نرجح الرؤية الثانية، لأنه أقرب إلى الصواب، وتركز على الثوابت: حماس لم تستسلم، بل فرضت شروطًا تحافظ على السيادة الفلسطينية، وتزيد من عزلة نتنياهو دوليًا، كما أشاد ماكرون والأمم المتحدة بالرد كـ”فرصة حقيقية للسلام”.
لكن الرؤية الأصوب تتجاوز الفريقين: نحتاج إلى “استراتيجية الصمود الدبلوماسي”، حيث تكون حماس جسرًا لوحدة فلسطينية شاملة.
يجب على فتح وكل الفصائل دعم الرد بإجماع وطني، كما نصح مراقبون، لتحويله إلى قوة تفاوضية تفرض على ترامب ضمانات حقيقية: وقف دائم للحرب، إعادة إعمار، وعودة قضية الدولة إلى الواجهة. بيان أنصار الله اليمنية، الذي وصف الرد بـ”المسؤول لحماية غزة”، يجعل الدعم الإقليمي وسيلة لتعزيز التفاوض.
ختامًا:رد حماس ليس نهاية، بل بداية معركة دبلوماسية جديدة. إذا نجحت في فرض شروطها، سيكون انتصارًا يعيد الأمل لغزة؛ وإذا فشلت، فسيكون بسبب تعنت نتنياهو، لا ضعف حماس. الفريقان يعبران عن ألم الشعب الفلسطيني، لكن الوحدة هي السلاح الأقوى.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات