الأمر كذلك ولا فخر، لأن الإخوان بلا ادّعاء، هم في كل قُطر من أقطار العرب ضميرُ الأمة وعينُ الشعب وبوصلة الوطن. والتاريخ يشهد والوقائع تتحدّث. فإذا ذُكِرَ المواطنون الذين يفْدون أوطانهم بأرواحهم فهم في الطليعة, وإذا ذُكِرَ القوميُّون الذين يحبّون أقوامهم ويخلصون لهم أشدَّ الإخلاص فهم في القمة، وإذا ذُكِرَ الأحرار المجاهدون فهم في المقدّمة. ولعلّ هذا مما سبَّب لهم المعاناة الطويلة والعداءَ الواصب من أطراف عديدة؛ سياسية وحزبية, داخلية وخارجية، والله المستعان.
وتأتينا الأخبارُ اليومَ بذلك من اليمن بالذات. هذا اليمن الذي جَعَلَهُ اللهُ سعيداً، والإسلامُ مُباركاً، والإخوانُ موحَّداً، وأرادَتْه السياسات العربية وأحزابها مُمزَّقاً مُهلهلاً تفتك به الأسقامُ وتُنهكْهُ المنازعات الطائفية. أجل، تأتينا من طرَفَي التحالف العربي الرئيسَيْنِ: بلاد الحرمين والإمارات العربية، بأنّ وَلِيَّيْ عهدَيْهما، طلبا الالتقاء بزعماء حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) للتشاور معهم بشأن ما وَصَلَ إليه اليمن من بُؤْسٍ وشقاء وتَعادٍ وتناحر, كيفَ الحَلُّ وكيف المخرج؟!
ولعل طالبي اللقاء يريدون بذلك مصلحتهم لا مصلحة اليمن. فقد وقعوا في مستنقع آسِنٍ وخسروا الأرواح والأموال والسلاح المُشترى بأموال الشعب بلا طائل ولا مردود، إلاّ عنعناتٍ قَبَلية وحَمِيّاتٍ جاهلية، وإلاّ فأين كان هؤلاء والإخوانُ يُنبِّهون على مَغابِّ المفاسد في اليمن ومآل التجاوزات السياسية على شعبه، وهذه الأطراف تشتد في حماية رأس الفساد هناك، زعيم اليمن المخلوع ومن ثَمَّ المصروع، فيعيدونه للبلاد مُعافىً، ومن ثَمَّ يقومُ هو نفسه بالوقوف ضدَّهم، بل ضد مصلحة بلده نفسه، ومع أطراف خارجة على إرادة شعبه ووحدته وتآلفه.
ويبدو أنّ دول التحالف لمّا رأتْ أنَّ فعلَها ذاك عاد عليها بالوبال – إذ قد تحالف ضدّها مع قومٍ يهمُّون باقتحام حدود بلاد الحرمين خاصة، ورشقها بالصواريخ التي تصل إلى عاصمة مُلكها، بل إلى حِمَى الحرمين أنفسهما – فَزِعوا وتنمَّرُوا، فساقوا جيوشهم إلى هذا البلد الذي ما استطاعت تركيا يوماً بعظمتها أن تطوِّعه. وهاهُم وقد مَرَّ سنتان على غاراتهم عليه دون جدوى، فتأكدوا أنّ الطريق أمامهم مسدود، فعادوا يستعينون بالمُكون الرئيس في البلد؛ حزبِ الإصلاح.
هذا الحزب العريض القاعدة لا يعتمد ابتداءً وانتهاءً في أجنداته إلاّ الإسلام منهاجاً, وخدمة الوطن سياسةً, ومصلحة المجتمع درباً. ومن هنا يحظى بالتأييد الواسع في بلادٍ أكلتْها النزاعات والصراعات. ولذا وقفَ منذ أوّل يوم مع مصلحة الشعب، ورَضِيَ بالتوافق الوطني مع أطراف أخرى، بعيداً عن الحزبية الضيِّقة والطائفية المقيتة. وكان له دور كبير في محاربة الرافضين (للشرعية) المدعومين من خارج البلاد. ويبدو أنّ دول التحالف أدركت للإصلاح هذه المكانة الرفيعة وهذا الدور الكبير، فلم تَجِدَّ منذ البداية في حربها على الثائرين على مصلحة الشعب، خوفاً من أنْ يقطف الإصلاح في هذه الحرب دونها الثمارَ، وهي تنظر إليه “حزباً إرهابياً” تخشى قوة تأثيره واستئثاره بالساحة. وكان من نتيجة ذلك أنْ تَشَتَّتَ أمرُ التحالف وأصبحت مكوّناته يعمل كُلٌّ منها حسب أغراضه الخاصة.
ولعل المظهر الأخير الذي ظَهَرَ به الرئيس اليمني المقتول قبل مصرعه وأبدى فيه استعداده للعودة للانضمام إلى دول التحالف، ونَفْضَ يدِه من شركائه الحوثيّين المدعومين من إيران، دليل على محاولة دول التحالف الخروج من الأزمة الخانقة التي وقعوا فيها بالاستعانة بأطراف من الداخل، فكان أنْ صُرِعَ الرجل جَزاءً وِفاقاً، لأنه وَقَفَ ضِدَّ خيارات شعبه، وضدَّ مَنْ ساعده وعالجه وهم حُكّام الحرمين، وخان حُلفاءه الذين يحاربون معه.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات