تنامت كتابات النقد الذاتي في أوساط الحركات والجماعات الإسلامية, وغيرها, في العقود الأخيرة، ولاقت تلك الكتابات رواجا وإقبالا واسعين، لكن لأن كثيرا من وجوه النقد الذاتي باتت ضربا من ضروب جلد الذات المُحبط والمُقعد، فإن من الحكمة الإقلال من ذلك، والاستعاضة عنه بفتح آفاق العمل على الرغم من كل ما يحفها من مشاق وصعوبات.
من المسلم به أن ممارسة النقد الذاتي لا تكون لذاته، وإنما لما يترتب عليه من ضرورة مراجعة المسارات والخيارات، وإعادة النظر فيما أقدمت عليه تلك الحركات والجماعات، فليس المقصود التوسع في النقد الذاتي، من غير أن يصاحب ذلك إيجاد البدائل العملية، وتحريض العاملين وحفزهم لمفارقة مواطن الخلل، ومعالجة مظاهر العلل، فالنقد يراد به مراجعة ما وقع وحدث، ومن ثمّْ بذل الجهود الجادة لمعالجة ذلك كله، والارتقاء بالأداء للوصول إلى الإنجاز المطلوب.
كثيرون ممن يمارسون النقد الذاتي، وبعضهم ينظر إليه باعتباره قضية مركزية في منظومتهم الفكرية والحركية، يقفون عند هذا الحد، فيتوسعون في النقد الذاتي إلى درجة الجلد المقذع للذات، فقلما تجد الواحد يعبر عن رضاه بالقائم، فهي عنده من أسباب إدخال العقل المسلم في حالة إنتاج الأزمات المتكررة، فكيف يمكن لمثل هذا العقل الذي صنع الأزمات، وأوجد المشكلات العويصة، أن يكون قادرا على المعالجة والخروج من ذلك المأزق، وتلك الأزمات؟.
نتج عن التوغل في ممارسة النقد الذاتي، مع عدم تقديم بدائل عملية قابلة للتطبيق، حالة من النفور الشديد في أوساط إسلامية واسعة، فهم حينما يسمعون دعاة النقد الذاتي يلحون على ذلك، يتطلعون منهم إلى فتح آفاق العمل الجديدة، عوضا عن تلك النشاطات والفعاليات القاصرة التي لا تخلو من مظاهر الخلل والعلل، موجهين كلامهم للناقدين: كما أتعبتم أنفسكم في النقد، فلم لا تجتهدون في اقتراح بدائل ومشاريع جديدة قابلة للتطبيق؟.
غالب الاتجاهات والحركات الإسلامية باتت تقبل النقد الذاتي، وربما حثت أتباعها على ممارسته عمليا، لكن العبرة بما بعد النقد الذاتي، فمن الجيد أن تقدم توصيفا دقيقا للواقع المعاش، وتؤشر بكل وضوح على كل أسباب الخلل، وتكشف بجرأة تامة عن أسباب الفشل، بعد القيام بدراسات نقدية، تراجع تجارب الإسلاميين المختلفة، والغاية من ذلك أن تقدم تلك الدراسات بشكل واضح لأبناء واتجاهات الحركات الإسلامية كي تستفيد منها في مستقبل أيامها، وقابل تجاربها.
ما فائدة النقد الذاتي حينما تجد بعض اتجاهات الإسلاميين تواقع الأخطاء ذاتها، التي واقعتها اتجاهات إسلامية قبلها، ومن دروس الجهاد الأفغاني أن بعض أمراء القتال كانوا يتصرفون في الأموال التي تقدم لجماعاتهم وأحزابهم بقرار فردي من الأمير نفسه، وهو ما ترتب عليه الكثير من المشاكل المتضخمة، وقد تكررت تلك الأخطاء في الثورة السورية، فكان الأمير بصفته الفردية هو صاحب القرار بشكل مستقل تماما، ولا رقابة مالية تمارس عليهم، فوقعت تجاوزات عديدة.
النقد الذاتي ينبغي أن يتحول إلى ثقافة عامة، تنتج عنها ممارسات وسلوكيات، وليس الاقتصار فقط على الإرشاد التنظيري، لكن واقع الحال يسير باتجاه مغاير لمقتضيات ومتطلبات النقد الذاتي، إذ المطلوب أن تُبنى السياسات والقرارات على ضوء نتائج وخلاصات دراسات النقد الذاتي، بعدم الاقتصار على الجلد المقذع للذات من جهة، والاجتهاد الجدي في فتح آفاق وسبل العمل البديلة القابلة للتنفيذ بحسب الإمكانات والاستطاعة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات