د. علي العتوم يكتب: ترمب والقرار البمب

 

 حدثني أحد أقربائي وكان أحد أفراد الجيش العربي الأردني قبل سنين، أن الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم بعد أن قام أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بانقلابه العسكري على الحكم الملكي، وقد راودته فكرة احتلال الكويت مع أن قوانين جامعة الدول العربية تحظر ذلك، دعا إليه كبار ضباط الجيش في حال غضب عارم كان يساوره. ولمّا اجتمعوا عنده، وفي نفس كل منهم سؤال مكتوم : لماذا دعانا الرئيس إلى هذا الاجتماع الطارئ؟ قال لهم – وهو يقرأ ما في نفوسهم، وكانت أمامه نسخة من القرآن الكريم، يضع يده عليها –: واللهِ لاحتلنّ الكويت!

وساق الرجل عسكره إليها، ولعله دخل بعض أطرافها، فقامت عليه حينها الدنيا ولم تقعد من الدول الغربية والعربية على السواء، وكانت نتيجتها أنه أُخرج منها بعد أن أحدث قرقعة مدويّة في الأجواء.

أقول هذا اليوم مع الفارق في التشبيه حجماً ووزناً، ودون الدخول في التفصيلات والمسوغات، والممكن وغير الممكن، والحق وغير الحق، والمشروع وغير المشروع، وسلامة قوانين الجامعة العربية أو عدم سلامتها، وفائدة وجودها أصلاً أو عدمه، إنما هي المشابهة في الحدث. أجل، أقول هذا والرئيس الأمريكي الجديد ترامب يُصدر قانونه الوليد بمنع قبول المهاجرين إلى بلاده من بعض بلاد العرب والمسلمين، بحجة أنها بلاد تفرّخ الإرهاب وتنشره في بلاده مما يتسبب في إزهاق الأرواح وهدم المؤسسات واشاعة الفوضى والبلبلات، وأن الواعز الأول على مثل هذه التصرفات الإرهابية التي يُقدم عليها بعض أبناء تلك البلاد التي أشار إليها ترامب، هو هذا الدين الذي يعتنقونه؛ الإسلام. ومن هنا فقد أصبح هذا الدين عنده مصدر خراب ودمار وإزهاق وإحراق. ولذا فليُسبَّ بكل لسان، وليُوضع على قائمة التطرف والإرهاب ولْتُشوّه صورته، فهو دينُ وحشية وانحطاط وبؤس وشقاء. والعلاج الوحيد للمسألة أنْ تصدر القرارات وتُسنّ القوانين لمحاربته هو وأهله، فهو في هذا العالم “غرغرينا” سارية وسرطان زاحف، ولاسيّما أن الرجل يرى هو وغيره من أعداء هذا الدين انتشاره في العالم كله، وإقبال الناس عليه بكل سهولة ويُسر دونما ضغوط أو إكراه أو حتى قوة معه تحميه وأموال طائلة تُنفق على تفشيه في الأوساط، وإنما يملك قوة ذاتية تجعله يتجاوز حدوده ويعبر القارات ويكتسح ما أمامه من سدود.

وأقول: إذا كان تصرف الرئيس العراقي قاسم أو غيره، مما كان غير محسوب بدقة، وقد جلب على البلد المصائب، لأنه كان وليد غضبة ونِتاج هياج، فإن قرار الرئيس الأمريكي ولاشك كذلك – بالقياس مع الفارق كما أسلفت –قرارٌ غير سليم التقدير أو مأمون العواقب، لأنه جاء مخالفاً للدستور عندهم وهم يزعمون احترام (الديموقراطية) التي يقوم عليها أشد احترام، ومخالفاً للواقع الذي ترفض فيه الأغلبية هذا القرار الذي جاء مُفاجئاً ليقلب طبيعة الحياة التي تعوّد الأمريكان فيها على التعايش بين مختلف الجنسيات مما شكّل نسيجهم المتداخل: الديني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ومن صور مخالفاته للواقع أن الهجرة إلى أمريكا من مختلف دول العالم ومنها العالمان العربي والإسلامي، هجرة اضطرارية تحت مطارق الحروب والنزاعات الجارية أو للحاجة والعِوَز والبِطالة التي تسود دول العالم الثالث خاصة، فهي هجرة لجوء، وهي في الوقت ذاته ليست بغير فائدة، بل إنها في معظمها ذاتُ فائدة لأمريكا تساهم في تقدمها العلمي والصناعي والاقتصادي والاجتماعي. ووالقرار يخالف كذلك التاريخ إذ إن مجتمع أمريكا أصلاً هو مجتمع مهاجرين كما هو مجتمع أستراليا. فهؤلاء وهؤلاء من الجنس الإنجليزي الذين أتوا إلى هذه البلاد لسبب أو آخر فسيطروا عليها دون أهلها الأصليين، فلماذا يعيب ترامب على غيره ما يجيزه لنفسه وأهله؟

 ثم إن هذا المنع في الحقيقة هو وقوف أحمق ضد تيار الحياة. فالمجتمعات في العالم ليست ذات استقرارٍ سرمديٍّ, ولا الجغرافيات كذلك. فكم سادت دول ثم تلاشت وقامت خرائط ثم بادت، وتشكّلت غيرها.

ومن هنا فإن هذا القرار من ترمب كان بمثابة (بُمب boom) أي قنبلة قذف بها في وجه الشعب الأمريكي جميعاً دون أن يحسب لآثارها فيه حساباً أو يُقدّر لها عواقبها، وخاصة أنه في بداية عهده الجديد الذي كان أدعى له فيه أو أحرى به أنْ يسلك إليه سبيل كسب قلوب الناس ويقدم لهم فيها عن نفسه الحُسنى على السوأى, والمدروس على المتعجِّل بعد مشاورات دوائر القرار عندهم، ولكنّ الرجل قفز على كل ذلك ورمى في وجه مجتمعه هذه القنبلة الموقوتة ليُصيب قلوب أناس بالسُّعار وآخرين بالصدمة والحسرة، فثارت عليه الثائرة في أمريكا وغيرها ولا تزال.

وإنني لأعتقد أنه لم يُقدِم على ما أقدم عليه من فراغ, ولم يتصرّف بما تصرّف به من لا شيء. إنه عنصري متعصّب، وحاقد حانق، وإرهابي متطرّف ومتغطرس متعالٍ يصدر في تصرفاته الهوجاء وسياساته الرعناء هذه، عن نظرة للآخرين رومانية قديمة متجبّرة وأمريكية حديثة متكبرة وعن أفكار صليبية موروثة ونفسية مادية لا تنظر إلى أساليب التعقل والتؤدة بمقدار ما تنظر إلى الربح الآني الموهوم، بعيداً عن أساليب الدبلوماسية المرنة، إضافة – ولعله الأهم – عن تبعيةٍ للسكة اليهودية النحسة، والتأثر بالدعايات الصهيونية المضلِّلة.

إن الرجل يحمل في صدره غِلاًّ على الإسلام يكاد يقتله، ونظرة سوداوية عنه لا ترى في واقعه إلا الليل البهيم أو الشيطان الرجيم، خاصة وهو يراه يكسب كل يوم من شعبه وغيره قلوباً إلى صفّه مؤمنة، ونفوساً إلى جمهوره طاهرة، فيرى من خلال نظراته السوداء أن لا بد – لحل المشكلة التي يحس بها أو يتحسس من عواقبها –من حمل السيف البتّار لقطع رؤوس المسلمين و(الأستيكا) لمحو آثار الإسلام من الواقع، أو القلم الأحمر ليشطب بجرّة منه على ما سطّره الإسلام ويسطره في العالم من صفحات وِضاء على يد بعض أبنائه المخلصين. إنه في اعتقادي في تصرفه هذا مثل دونكيشوت يلوّح بحسامه في الهواء ليهوي به على رؤوسٍ في أجواء العتمة, وهو في النهاية لن يقطع بهذا السيف إلاّ نفسه وشعبه وبلده.

وإنني لأقول لترامب: لست أول حاقد على الإسلام ولست آخره أو مخطّطٍ للقضاء عليه، فقد سبقك إلى ذلك المشركون من العرب والعجم على السواء، فذهبوا هالكين خاسرين ومقبوحين مدحورين وبقي الإسلام صامداً يتحدى، وزاحفاً يفتتح القلوب قبل افتتاح الأرض. لقد حاوله قبلك العرب المشركون بزعامة أبي جهل وزبانيته، وحاوله اليهود في الحجاز وهم يُجيّشون على الإسلام الجموع منهم ومن العرب وحاوله الصليبيون بقيادة بطرس الناسك, والتتار بقيادة هولاكو ليقضوا على خلافة الإسلام، وحاوله المستعمرون في العصر الحديث، ولكنهم آبوا جميعاً خائبين، و(على نفسها جنت براقش) كما يقول المثل العربي القديم، وبقي الإسلام والمسلمون في تقدُّم وانتشار. فليطمئن الغرب وكل أعداء الإسلام من عرب وعجم أن النصر للإسلام, والخيبة والخذلان لأعدائه (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

وليعلم ترامب كذلك أن ما يصيب العالم اليوم ويُلجئ الملايين منهم إلى الهجرة واللجوء إلى بلده أو غيره، إنما هو وقومه من أسبابها الكبرى، لأنهم هم الذين صنعوا الإرهاب وابتدعوه، ورموا به غيرهم.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …