أعني بذلك ما يذهب إليه بعض من يتعرّض للحديث عن الحركة الإسلامية من غير المنضوين تحتها من أحكام خاطئة, سواء أكان ذلك منهم عن قصد أم عن غير قصد. ولا يعني هذا أن أبناءها مبرّؤون من الوقوع في مثل هذه الأخطاء, ولكنْ – كما يُقال وبشكل عام – صاحب البيت أدرى بالذي فيه.
أقول هذا وقد كنت أطالع قبل حين كتاب: (الحركات الإسلامية في الأردن) الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث لعدد من الباحثين, فوجدت أنه قد وقعت من هؤلاء أو من بعضهم أحكام غير دقيقة, إما لمجانبتها الصواب أو لإبعادها في النُّجعة, فتكلّفتْ في الحكم أو تطرفت. وقد يكون ذلك لعدم اطّلاع ذاتيٍّ وثيق, ولعدم أخذ المعلومة من أصحابها المطّلعين, أو أخذها على أسلوب عرض هذا الأدنى أو تطارقاً على معلومة خاطئة, مع عدم التبرئة الكاملة من مدخولية النية في مثل هذه الدراسات أو رغبة عند بعضهم في الجموح في الرأي بحجة التجديد والنأي عن التقليد .
ولذا جئت اليوم في هذا المقال لأبيّن – مصحّحاً وموضّحاً – بعض هذه الأحكام التي صدرت عن بعض أصحاب هذا الكتاب . ومن ذلك ما يلقانا فيما يقوله السيد محمد حسن الشريف في بحثه : (الإخوان المسلمون في الأردن .. خريطة معرفية) «ص90» في معرض حديثه عن حزب التحرير: (إن هناك حزباً إسلامياً آخرَ, نشأ في القدس وهي تحت السيطرة الأردنية, انشق عن الإخوان واختلف معهم بصورة جذرية) . وهو كلام غير دقيق, فحزب التحرير لم ينشقَّ عن الإخوان, بل نشأ ابتداءً مستقلاً عنهم, إذ لم يكن مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله يوماً من الإخوان, إنما كان أحد العلماء الذين يقدرهم الإخوان, ويدعونه ليحاضر في شعبهم, ولم يلبث الرجل – ويبدو أنه لم يرق له منهج الإخوان – أنْ أنشأ حزبه الذي يغاير في أساليبه طريق الإخوان مغايرة تامة . صحيح أن النواة الأولى التي شكّل منها حزبه كان أكثرها من الإخوان الذين استهواهم نهجه فانضموا إليه, غير أنه من ثم وعلى الفور تباينت الصفوف .
وفي مسألة أخرى تتعلق باختيار الإخوان للأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة مسؤولاً أوّلَ لهم, يقول السيد (محمد زاهد جول) في بحثه (الجماعات الإسلامية في الأردن – إشكالية العلاقة مع الآخر) ص106 : (وتمّ اختيار محمد عبد الرحمن خليفة مراقباً عاماً للجماعة في ظروف وملابسات غامضة). ومثل هذا الكلام وبالحرف يقوله السيد محمد أبو رمان في بحثه (جبهة العمل الإسلامية: المنطلقات الفكرية والتجربة والدور) ص194 .
قلتُ: وهذا كلام – يقوله الكاتبان- أشد ما يكون بعداً عن الصحة ومجافاةً للحقيقة, فقد كان الإخوان آنذاك بمن فيهم رئيسهم الحاج عبد اللطيف أبو قورة نفسه يرحمه الله, يبحثون عن رجلٍ يكون أكثر ملاءمة للظرف الذي تمر به الجماعة ليختاروه مسؤولاً لهم, فعرضوا الأمر على أكثر من واحد من كبار الإخوان, وخاصة الأخ المرحوم القاضي نايف الخطيب, فاعتذروا, ومن ثم ذهب مجلس الشورى – كما حدثني الأخ زكي المصري رحمه الله – في ساعة متأخرة من الليل إلى الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة في بيته بمأدبا حيث كان يشغل وظيفة نائب عام, وألحّوا عليه أن يقبل ترشيحهم لهذه المسؤولية, فلما رآهم مصرِّين نزل على رغبتهم, فاستقال من منصبه الرسمي ليتفرغ للدعوة بكتابٍ وجّهه إلى وزير الداخلية, ومن ثم تواردت عليه كتب الإخوان يهنّئونه بالموقع والدعوة له بالتوفيق فيه, وتتارت منه عليهم كتبه يشكر لهم حسن ظنهم, ويدعوهم للعمل الدؤوب خدمة للدعوة. ويبدو أن التطابق الحرفي عند الدّارِسَيْنِ؛ جول وأبي رمان, كان نقلاً من مصدرٍ علمُه مدخول, وخاصة أنهما لم يكشفا عن المرجع الذي أخذا منه في تقرير هذا الحكم .
وفي مسألة ثالثة تتعلق بطريقة انتخاب الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة مراقباً عاماً للإخوان رحمه الله, ومن بعده انتخاب الأستاذ عبد المجيد ذنيبات خلفاً له, يبين خطأ في الحكم واضح مما يدل على نقص في المعلومات, وعدم تحرِّي الدقة في الحكم, بل إلقاء الكلام في المسألة على عواهنه, إذ جاء في بحث الشريف الآنف الذكر, أن الإخوان اختاروا خليفة بعد تقديم أبي قورة استقالته من الجماعة (انظر ص59) وأنهم اختاروا الذنيبات بعد تقديم خليفة لاستقالته (انظر ص61). والصحيح المؤكد أن استقالة أبي قورة كانت بعد انتخاب الإخوان لخليفة وكانت من الجماعة وليست من المنصب وحده, وأن خليفة لم يستقل ليأتي الذنيبات, بل جرت في مجلس الشورى انتخابات رُشِّح فيها الاثنان, فكانت النتيجة لصالح الذنيبات, بغض النظر عن ملابسات هذه الانتخابات .
وفي مسألة رابعة, والكتاب (الحركات الإسلامية في الأردن) يتعرض لفكرة السلفية الجهادية كما في بحث السيد محمد عبد الحميد (الجماعات الإسلامية الأردنية – خارطة الاتفاق والاختلاف), يرى الباحث أن الشيخ عبد الله عزام يُعدّ أهم أقطابها ومنظِّريها, وأن سيد قطب, ولاسيما في كتاب (المعالم) يُعَدّ مؤسسها الحقيقي, إذ يرى هؤلاء السلفيون كتابه هذا دستوراً وبياناً يعتمدون عليه في مجمل رؤاهم وأطروحاتهم. وهذا كذلك, يعتبر حكماً بعيداً عن الواقع بعد الأرض عن السماء, وخاصة إذا علمنا – كما يقول محمد عبد الحميد في بحثه – أن (هذه السلفية تعطي الأولوية في عملها لقتال الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي باعتبارها كافرةً) ذلك لأن الشيخ عبد الله يرحمه الله كما هو معروف عاش على فكر الإخوان حياته ومات عليه, وهو فكر معروف ببعده عن هذه الأحكام, انطلاقاً من البند العشرين من بنود ركن البيعة الأول عند الإخوان (الفهم), بل إنني سمعت منه ونحن في الإمارات, ثناءً على بعض الدول العربية التي كانت تمد المجاهدين الأفغان آنذاك بالعون كالسعودية مثلاً , قائلاً من ثم: وإنني لا أسأل بعد ذلك عن طبيعة الحكم فيها.
أما سيد رحمه الله, وهو أستاذ عبد الله وأستاذنا جميعاً, فهو أبعد ما يكون عن مثل هذه الأحكام, أعني مسألة التكفير, بعد المشرق عن المغرب, ولاسيما إذا حُكم على فكره كما يقول السيد حسن هنية في بحثه (السلفية الجهادية في الأردن – النشأة والإطار والدور), أنه يقول بتكفير الأنظمة, فهو – وإن قال بجاهليات المجتمعات – لم يُكفّرها, إنما دعا إلى مفاصلتها شعورياً وإنكار جاهلياتها . ومعلوم أن فكره حُمِّلَ ما لم يحتمل من أطراف إسلامية عديدة, وما يُحْمل عليه , وما يُظنّ أنه فيه أو يقوله, هو حقاً غير ما يؤمن به . وغاية ما في الأمر أن نقول: إن هذه الجماعات الجهادية تأثّرت بفكره, وتعلمت منه القوة والصلابة والوضوح . أما ما بعد ذلك وما فوقه, فأصحابه هم المسؤولون عنه وحدهم, لا هو .
وتبدو الفجاجة في الرأي بأجلى وجوهها عندما يُحكم على فكر سيد قطب بأنه مناقض لمجمل فكر الأستاذ حسن البنا ومنظّري الإخوان المسلمين في حركتهم الإصلاحية, كما في بحث السيد مروان شحادة (إسلاميو الأردن, وإشكالية القطرية والأممية) ص238 , أو أن هذا الفكر المدَّعى على قطب وفي كتابه (المعالم) بالذات, كان مما اضطر المرشد حسن الهضيبي رحمه الله, أن يرد عليه في رسالته (دعاة لا قضاة) كما في بحث محمد أبو رمان (جبهة العمل الإسلامي – المنطلقات الفكرية والتجربة والدور). أجل, تتبدّى الفجاجة في هذا الرأي بأقذى ما تكون, إذا علمنا أن الهضيبي كان يُجلّ سيد قطب أعظم إجلال, وهو نفسه الذي سمح له وهما في السجن بإحياء دعوة الإخوان من جديد, وأن سيّداً كتب “المعالم” عينه تحت سمع الهضيبي وبصره, ولم يكن يصدر منه ملزمة واحدة, إلا بعد عرضها عليه وإجازتها, فيقول سيد عندها: أجازها الأستاذ الوالد تأدّباً معه واحتراماً, رحمهما الله. أما حب سيد للبنّا رحمه الله والتزامه بفكره, فمما لا يكاد يُشابَه أو يُجارى, ولا يمكن بأية حال أن توضع على صفائه قشّة من غبش, أو تعمّيه ذرة من غبار, وهو الذي في مقالاته (دراسات إسلامية ) يقعد منه مقعد المريد المتأدب أمام شيخه الجليل, مثنياً على شخصه وعلى فكره أعظم الثناء, إلى درجة أنه يقول: إن مجرد اسمه هو لفظ على حقيقة واسم على مسمى, فكأنه نازل من السماء, كما يقولون, لشدة إيمانه بفكره, وعدم مخالفته عن طريقه, وإن تفاوتت الاجتهادات وتباينت الأساليب.
وكلمة أخيرة أقولها: إن كتاب الهضيبي (دعاة لا قضاة) كتبه حتى لا يعكّر صفو الفكر الإخواني, ووجّهه لأولئك الذين كانوا معهم في السجون, وراحوا يكفِّرون الناس لشدة ما لقوا من التعذيب, ويطالبون بحمل السلاح عليهم مما أراد الهضيبي أن يكفكف من غريب هذا الفكر الجانح, ويحد من غلوائه الجامحة .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات