ظهرت فكرة الفصل بين الدين والسياسة في أوروبّا بعد أن بلت شعوبُها من عسف الكنيسة وطبقة رجال الدين فيها ما بلت من تحكّمٍ في أمورهم؛ صغيرها وكبيرها, ظلماً وعدواناً, وغطرسةً وخضعاناً. وكان ذلك بداية ظهور ما يسمّونه عندهم بعصر النّهضة (الرياسنس) أي التّنور. وهو عصرُ أخذِهم بالتّقدّم وارتياد آفاق واسعة من التّحرر والانطلاق. وكان ذلك نتيجة تجاربهم الطّويلة وتأثرهم الكبير بالحضارة الإسلاميّة التي خالطوا أهلها في بيئات عدّة كالأندلس وصقلية والحروب الصليبيّة. وقد كانت عندهم فعلاً حركة تحرر وانعتاق من سلطةٍ آسرةٍ طاغية، فقالوا إثرها بفصل الدّين عن الدّولة, والسّياسة عن الكنيسة, حتّى يتخلّصوا من غشم رجال الدّين ومبادئهم التي يقفون فيها ضدّ حركات التّنور في شعوبهم، ويصطفّون إلى جانب الأباطرة المتجبّرين الذين يعاملون رعاياهم بالقبضة الحديديّة، وعلماءهم بالاستخفاف في ابتكاراتهم وابداعاتهم.
وقد حُقّ لتلك الأقوام أن تنبت فيهم هذه الفكرة، لأنّ الدّين عندهم كان يُستعمل في غير محلّه، بل كان سيفاً مصلتاً على رقاب النّاس؛ شعوباً تطلب الحريّة، وعلماءَ ينهدون للإبداع والابتكار. ومن هنا قامت عندهم حركات الإصلاح الدّيني لما في عقائدهم من فساد وانحراف، وأسّها أنْ يبعدوا الدّين المتعسّف عن السّياسة التي يريدونها أن تنْطلق من مصالحهم الذّاتية وتجاربهم الخاصّة.
أمّا نحن في ديار العروبة والإسلام فمن أشدّ ما أُصِبْنا به في هذا العصر من دواهٍ أن تنجم عندنا هذه البدعة، لأنّ ظروفنا بلا أدنى جدال تختلف عن ظروف أولئك القوم, وعلماءنا عن علمائهم, وديننا عن دينهم، إذ أنّ ديننا يُشجّع العلم ويحثّ عليه ولا يقف في طريق العلماء أو يحدّ من نشاطهم، ولم يُعرف في تاريخنا هذا الفصام النّكد بين العلم والدّين، أو هذه الحرب الشّعواء بين الحكّام والعلماء كما عند الغرب، فقد كان الحكّام في تاريخنا أكبر مشجّع للعلماء أن يبدعوا ويبتكروا، ولم يؤثر عنهم شيءٌ من هذا القبيل الذي جرى في أوروبّا. ولذلك كان تأثّرنا بالغربيين في هذا الجانب وذلك بالفصل بين السّياسة والدّين, والعلم والدّين, أو الدّين والدّنيا, تأثّراً قاتلاً، يقوم على القياس مع الفارق، وعلى أسلوب الخداع والتّمويه. ولعلّ ذلك كان من ضمن المؤامرة التي حاكها الغربيّون ضدّنا منذ أواخر القرن التّاسع عشر، وفي رأسها العمل على هدم الخلافة والقضاء على وحدتنا العامّة. وقد نجحت المؤامرة، لأنّها وجدت من أبنائنا ممّن تأثر بالغرب مخاديع كثراً، أضحوا عملاء في بلادنا لأولئك الغرباء.
ومن هنا ظهر في هذا العصر (أواخر القرن التّاسع عشر) في بلادنا ومن أبناء جلدتنا مفكّرون أو دعاة إصلاح يطالبون بما نادى به الغرب من اعتزازٍ بقوميّاتٍ جاهلية انتهت عندنا إلى إقليميّاتٍ بغيضة وبالتّالي إلى دكتاتوريّاتٍ مهلكة أو سلطاتٍ وحشيّة تمتهن كرامة شعوبها وتنتهج سياسة الأرض المحروقة فيهم , وإلى طُغاةٍ كآباء رغال وآباء جهل يستقدمون العدو إلى أوطانهم ليتحكّم فيها وفي أهلها بما يشاء فكراً وسياسةً وتخطيطاً، ويتصرّف بها كما يحلو لنفسه الحاقدة ذبحاً وسحلاً وتدميراً. ومعلومٌ أنّ أكثر من يدين بمثل هذه الأفكار الغريبة عن تاريخنا وديننا وحضارتنا – إن لم أقلْ كلَّ – الأحزابُ غير الإسلاميّة وإن ادّعت القوميّة أو الوطنية أو الليبراليّة والتي راحت تغلّفها اليوم بالمصطلحات الرّنانة والأسماء الطّنانة، من أمثال كلمات: الحداثة والمعاصرة والتّقدميّة إلى آخر هذا السيل من الدّعاوى التي لا تقوم على شيء من حقٍّ أو منطق.
والأدهى من ذلك والأنكى أن تجد زعماء في الأمّة يتّخذون من أتاتورك الرّجل الصّنم مثالاً لهم في حربهم للدّين وأستاذاً يُحتذى في السّياسة في حين أنّه هو الذي دقّ أكبر مسمارٍ وآخره في نعش الخلافة الإسلاميّة، ودعا في أواخر عهده وهو على فراش الاحتضار سفير بريطانيا في العراق ليتسلّم حكم تركيا من بعده! ورحنا نسمع في هذا الميدان أنّ حاكماً من أرض الكنانة يقول – وهو يسالم اليهود ويرعى مصالحهم قبل أي زعيم آخر من زعماء هذه الأمّة: لا دين في السّياسة ولا سياسة في الدّين، ويقول آخر على منواله – وهو يحكم شعبه بالحديد والنّار في أرض برقة وطرابلس الغرب : لا حزبيّة في الإسلام ومن تحزّب فقد خان، بل يقول بعض أصحاب الأفكار أو الطّرق الدّينيّة في بلادنا غفلةً وبلاهة : السياسة تياسة، أو السلطان من لا يعرف السّلطان! كلّ ذلك مؤامرةً وجهالةً وقصر فهم عند بعض أحزابها، حتّى وهي تدّعي الدّين.
وفي الوقت الذي يُحرّم فيه هؤلاء الزّعماء تشكيل الأحزاب على غيرهم، يقيم كلّ منهم حزباً خاصّاً به يزوّده بكلّ أنواع الدّعم المادّي والمعنوي حتّى يكون وحده الذي يجول في الميدان ويصول، كما أنّهم وهم يحرّمون على غيرهم من أصحاب الدّين الاشتغالَ بالسّياسة ويطالبون بفصل الدّين عن الحكم، يستخدمون بطريقة أو أخرى الدّين ورجاله لتأييدهم بالباطل, من علماء السّوء والنّفاق الباحثين عن الصّيد والعلف. كما أنّ بعض هذه الهيئات أو الفئات التي تزعم الإسلام، ولا تريد أن يحكم أو يتدخل في السّياسة تجيز لنفسها أن تتدخل في أمور السّياسة لتدعم الظّلمة المعادين للدّين وأهله.
نعم، إنّ هؤلاء السّاسة الذين ينادون بأن لا يتدخل الدّين بالسياسة أو العكس، لا يريدون من الإسلام أو أصحابه الصادقين أن يطّلعوا على فسادهم تأثّراً بسياسات الغرب ومعتقداته الباطلة، ومعرفةً صحيحةً منهم أنّه لا يقف في وجه فسادهم الأخلاقي أو السّياسي أو الفكري إلا الإسلام وأصحابه الأصلاء، فينادون بذلك وهم يضعون أيديهم على الزّناد ليطلقوا النّار على كلَ من يخالفهم بجدّ، ويشهرون سيوفهم في وجوه معارضيهم من المؤمنين الصّادقين، إذ حقيقة ما يزعمون من ديمقراطيّة وعدالة اجتماعية، إنّما هو للاستهلاك المحلّي أو (البروبوجاندا) إذ الديمقراطيّة عندهم كما قال أحدهم ذات يوم : لها أنياب، ومن خالفهم فسيفرمونه فرماً.
إنّهم يريدون أن يحكموا على هواهم، وإلاّ طبّقوا على مخالفيهم, أنّى كان صدقهم, حدّ الحرابة كما هدَّد به فرعون مَنْ آمن مِنْ شعبه بموسى بقوله لهم : (ولأصلّبنّكم في جُذوعِ النَّخل، ولتعلَمُنّ أيّنا أشدّ عذاباً وأبْقى).
ومن هنا كنّا – نحن في الحركة الإسلاميّة خاصّة – إذا استجبنا لهذا الشّعار، ورحنا ننادي بفصل الدّين عن السّياسة – قد ارتكبنا إثماً أو جرماً، لأنّنا نكون بذلك قد خالفنا عن أمر الله وأمرنا الذي نهضنا لتعزيزه والدّعوة إلى الأخذ به وتطبيقه, وفي هذا اغضابٌ لله ورسوله وصالح المؤمنين. ثمّ صرنا عندها قد استنمْنا إلى الدّعة وضعفت دعوتنا التي ستُوضع عليها نتيجة هذه السّياسة وأمامها سدودٌ وقيود وتترتّب عليها محاسباتٌ ومعاقبات، وبالتّالي نروح نضعف في هذا الشأن حتّى نتلاشى أو نكاد. ومن ثمّ سنعطي للظّلمة بأيدينا، ونعترف لهم بقوانينهم الباطلة التي سيرفعونها على الدّوام في وجوهنا: أنّ هذا سياسة وليس ديناً، أو أنّ هذا دينٌ وليس سياسة! ممّا يبقينا في دائرة الحذر والتّحسب مخافة الخلط وعدم التّمييز بين الأمرين، فنكون كمن وضع باختياره السّلاسل في رجليه, والأغلال في يديه, واللجام في شدقيه. وبذلك نكون كذلك كمن وافق على شطر الجسم الحيّ نصفين ليكون مصيره الموت والفناء كشأن تلك المرأة المدّعية الأمومة في محكمة سليمان، إذ وافقت أن يشقّ الطّفل التي تدّعيه نصفين ولو أدّى ذلك إلى إزهاقه!
إنّني أوقن كما يوقن الكثيرون أنّ فكرة الفصل بين الدّين والسّياسة فريةٌ غربيّة ودعوة صليبيّة وفكرة رومانية وثنية قديمة بعد أن دخلت روما في النّصرانيّة. ومن هنا فإنّه لا فصل على الحقيقة في ديننا أو في معتقداتنا بين الدّين والسّياسة، إنّما هما متلازمان. وفي هذا يقول الأستاذ محمد سليم العوّا في بحثه (النّظام السياسي في الإسلام) ما نصّه: (إنّ العلاقة بين الدّين والسّياسة ليست هي الفصل المطلق، ولا التّماهي المطلق. فالدّين حاضرٌ في السّياسة كموجّهٍ وروح دافعة وقوّة للأمّة جامعة). وأدقّ من هذا وأرضى قول الأستاذ البنّا رحمه الله في رسالته (مشكلاتنا في ضوء النّظام الإسلامي – نظام الحكم): ( فمن ظن أن الدين – أو بعبارة أدق الإسلامَ – لا يعرض للسياسة, أو أن السياسة ليست من مباحثه, فقد ظلم نفسه وظلم علمه بهذا الإسلام, ولا أقول ظلم الإسلام, فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد). وإنّني لأقول لهؤلاء المفرقين بين الدّين والسّياسة: ألم يحارب أبو بكر رضي الله عنه, المرتدّين, وهذه قمّة السياسة لمنعهم الزّكاة وهذه قمة الدين؟
وختاماً فإنّني أستأنس فيما أذهب إليه من عدم الفصل بين الدين والسّياسة بتسحيل هذه الأبيات – ولعلّها كانت من أهم الحوافز على كتابة هذا المقال – للشّاعر الذي أشرتُ إليه في عنوان المقال بأنّه يُجيب على هذه الدّعوى, وهو عرفان حافظ؛ (الجزيرة لصاحبها المرحوم تيسير ظبيان عدد 1132 بتاريخ 2/7/1946م مصورة الجامعة الأردنية) , وهي قوله بعنوان “الدّين والسّياسة”:
إِنَّ السِّياسَةَ أُخْتُ الدِّينِ لَيْسَ لهُ
عَنْها انْفِصالٌ وَلَيْسَتْ عَنْهُ تَنْفَصِلُ
أَإِنْ سَعَيْنا لِحُريّاتِنا غَضِبُوا
مِنَّا وعَابُوا عَلَيْنا السَّعْيَ واشْتَعَلُوا
وأنْكَرونا وقالُوا: ظَالِميِنَ لَقَدْ
حَادُوا عَنِ الدِّنِ لِلْدُنْيا وَقَدْ عَدَلُوا
وَضَلَّلُوا النَّاسَ بِاسْمِ الدِّينِ واتَّخَذُوا
مِنْهُ سَبِيْلاً إِلَى السُّلْطانِ وانْتَحَلُوا
وإِنَّهُ الغَيْظُ قَدْ أَعْمَى بصائِرَهُم
عَنْ كُلِّ صالِحَةٍ والغِلُّ والدَّخَلُ
أَوْرَتْ قُلُوبَهُمُ الأَحْقادُ فاشْتَعَلُوا
غَيْظاً وضاقَتْ بِهم مِنْ نُجْحِنا السُّبُلُ
الدّيْنُ عِزٌّ وإقْدامٌ وتَضْحِيَةٌ
فِي الحقِّ بالنَّفْس لا خَوْفٌ ولا وَجَلُ
ولَيْسَ في الدِّيْنِ أَنْ نَحْيَا كَسائِمَةٍ
نَرْضَى بِذُلِّ أعادِينا ونَمْتَثِلُ
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات