لا مراء فى أن الشورى إحدى المبادئ الشرعية فى البناء السياسى للدولة المسلمة, وهى أصل في إدارة الشؤون الجماعية، بل هي أهم قواعد الحكم في الإسلام كما قال ابن عطية كما أورد القرطبى: الشوري من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام, من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب, هذا ما لا خلاف عليه.
وعزائم الأحكام هي الواجبات التى لا يجوز تركها .
لكن قول ابن عطية يتممه ويكمله قول ابن خويز منداد المالكى الذى يشمل أهل الشورى على اختلاف تخصصاتهم، إذ إن أمر الشورى فى تسيير الدول والجماعات لا يتوقف على رأى أهل العلم الشرعي وحدهم، فهم جهة يتوجب أخذ رأيها فيما تختص فيه، وكذا يتوجب أخذ رأي أصحاب كل فن فى تخصصهم الذى تفرغوا له، يقول: “واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها”.
ومن هذين التعريفين يتضح أن الشورى فى بعضٍ منها أو كثير تجرى على مستويين؛ الأول منهما رأي أهل التخصص أو أهل الفن أو الفنيين في الموضوع المطروح للشورى، والثاني هو رأى المخولين بالتصويت عليه وإمضائه وفق الهيكل الإداري للدولة أو الجماعات.
ومن ثم وجدنا أستاذنا الدكتور محمد سليم العوا يضع ضابطًا لأهل الشورى فيرى أنهم: فريقان لا غني بأحدهما عن الآخر أولهما: المختصون في الموضوع الذى يكون محلًا للشورى، وثانيهما هم أهل الرأى أو المفوضون بإبدائه في الأمة.
وهذا الضابط أكثر وقوفًا علي الواقع الذي انتهي إليه أمر الناس اليوم، ويحل كثيرا من الإشكاليات المعاصرة فى مفهوم الشورى وإبداء الرأي، ومدى إلزامية رأي أهل التخصص لأهل التفويض في الأمة.
كما أن الشورى في موضوع ما قد تحتاج إلي رأي متخصصين في تخصصات مختلفة يقدم كل منهم ما انتهي إليه علمه في تخصصه تمهيدًا لعرضه علي المفوضين بإبدائه في الأمة لاتخاذ القرار المناسب.
وقد فرق الدكتور توفيق الشاوي يرحمه الله بين الشورى والاستشارة في كتابه “فقه الشورى والاستشارة”، ورأى أن الاستشارة: هي طلب فرد المشورة من غيره في أمر من أموره الخاصة، أو طلب هيئة لرأى الخبراء والمتخصصين للاستنارة به في اتخاذ قرار هي صاحبة التصرف فيه، وهذه الاستشارة تكون اختيارية لطالب المشورة غير ملزمة له.
أما الشورى فهي تشاور الأمة أو من يمثلونها بشأن قرار سياسي أو اجتماعي .. إلخ ، وصدور قرار – بالإجماع أو بالأغلبية – منهم، وقرارهم في هذه الحالة من قرارات الشورى الجماعية الملزمة.
وفى ضوء هذه التفرقة نستطيع أن نقبل ما ذهب إليه الدكتور أحمد كمال أبو المجد من أنه لا يتحتم الحديث عن وجوب الشورى هكذا بإطلاق إذ يُتصور أن تكون واجبة في أحوال، ومندوبة في أحوال، وغير مطلوبة أصلًا في أحوال ثالثة، وكذلك قوله: “إنه لا يمكن اتخاذ موقف واحد من صور الشورى المختلفة وأحوالها التي تختلف باختلاف المستشير والمستشار وموضوع الشورى”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات