في السابع من شهر كانون أول/ ديسمبر عام 1987م تحولت حادثة الدهس المتعمدة التي تعرض لها أربعة من العمال الفلسطينيين وأودت بحياتهم بواسطة شاحنة يقودها مستوطن يهودي، إلى الشرارة التي أشعلت الانتفاضة الفلسطينية، في سائر أنحاء الأراضي المحتلة عام 1967م .
ومنذ ذلك التاريخ وحتى ما يزيد على ستة أعوام لاحقة، خاض الشعب الفلسطيني المنتفض والأعزل واحدة من أشمل وأشد حروب الاستقلال الشعبية، حيث سقط آلاف الشهداء وعشرات الألوف من الجرحى وكذلك المعتقلين.
وفي نفس الوقت والظروف ولدت حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وتوقع الكثيرون لهذه الحركة الاندثار والاضمحلال، واعتبروها مجرد حالة عابرة اعتلت أمواج الانتفاضة ولن تلبث أن تتلاشى تحت وطأة ضغوط الاحتلال وقلة الموارد والإمكانات والازدحام الفصائلي في الساحة الفلسطينية، ولكن بعد 29 عاماً من قيام حماس، بدت هذه التوقعات مجرد فقاعات في الهواء، حيث تمكنت حماس من مواصلة النضال ضد المحتل في ظروف صعبة للغاية، وقد صقلت الانتفاضة الشعبية الأولى ” انتفاضة الحجارة ” ( 1987 ــ 1993 م ) ، وانتفاضة الأقصى المباركة (2000 ـــ 2005 م) ، والحروب والاجتياحات المتكررة للأراضي الفلسطينية, صقلت حركة حماس تجربة نضالية متميزة في سجل جهاد الشعب الفلسطيني، وقدمت الحركة قائمة طويلة من النماذج الفذة والبطولات الأسطورية، حتى غدت حماس وشهداؤها ورموزها وكتائبها عناوين محفورة في ذاكرة الشعب الفلسطيني.
لم يكن شهر ديسمبر عام 1987 م شهراً عاديا .. إنه الشهر الذي برز في تاريخ القضية الفلسطينية.
إنه الشهر الذي نهضت فيه الحركة الإسلامية من تحت ركام وأنقاض الدمار الذي خلفه الاحتلال، لتعلن عن ميلاد حركة جهادية كبيرة تحفها رعاية الرحمن، وتسطر بدماء أبنائها أروع ملاحم البطولة والتضحية والفداء.
واليوم يمضي على انطلاقتها تسع وعشرون عاما وهي ما زالت تقدم وتبذل خدمة للدين والوطن .. استطاعت خلالها أن تبدل الأوضاع، وتغير الظروف والمجريات.
تسع وعشرون عاما أصبحت الحركة فيها شوكة في عيون الأعداء، ورقما صعبا لا يمكن تجاوزه .
تسع وعشرون عاما على انطلاقها ومازال عودها حياً يافعاً .. قوياً ، ترويه دماء الشهداء ويزهو في عنان السماء.
تسع وعشرون عاما على هذه الشجرة المباركة ومازال أصلها ثابت وفرعها في السماء .
تسع وعشرون عاما غيرت خلالها حماس وجه التاريخ الفلسطيني، ورسخت لمرحلة جديدة من مراحل الصراع العربي الصهيوني، وأرست قواعد المشروع الإسلامي الفلسطيني.
تسع وعشرون عاما قفزت الحركة فيها قفزات نوعية في طريق الجهاد والمقاومة، وكان لها الدور الأبرز في الخط الجهادي على ثرى فلسطين الحبيبة.
برهنت حماس على قدرة متميزة بامتصاص الأزمات وآثارها بتجميع الأفراد والخلايا وإجراء عمليات التنظيم والترتيب حسب الحاجة والظروف سواء في صفوف القيادة والكوادر أم على مستوى القاعدة والمجموعات الصغيرة المنتشرة في المناطق الفرعية والأحياء.
وأثبتت كتائب الشهيد عز الدين القسام؛ الجناح العسكري للحركة بعملياتها الجهادية النوعية التي اتسمت بالجرأة المتميزة والتخطيط الدقيق والسيطرة على الموقف عند التنفيذ، أنها ـ بفضل الله ـ أقوى من كل مخططات الصهاينة الذين يسخرون كل طاقات أجهزتهم الأمنية والاستخبارية وأدمغة مفكريهم وخبرائهم العسكريين.
ومن نافلة القول أنه مادامت هناك فئة نذرت نفسها للجهاد في سبيل الله فإن بركات ذلك الجهاد سوف تظهر تترا، وهو ما لحظناه خلال حرب ” العصف المأكول ” من الإنجازات النوعية الهامة في تطوير أسلحة القسام، وهو ما يؤرخ لحقبة هامة في جهاد شعبنا الفلسطيني.
ويأتي هذا التطوير النوعي لسلاح المقاومة في مواجهة العدو المعتدي متناسباً ومتناسقاً مع سنة بشرية قدرها الله عز وجل وزرعها في الإنسان منذ بدء البشرية بحقه في الدفاع عن النفس، كما أن التسلح وامتلاك السلاح من مستلزمات الجهاد الذي هو واجب .. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .. ولارتباط الواجب بالثواب في حال القيام به كان التسلح وتطوير السلاح طاعةً لله يؤجر عليها المجاهدون.
وقد تدرجت “حماس” في امتلاك السلاح، وكانت في كل مرة تسعى لاستخدام الأجدى وفق استطاعتها، فبدأت بانتفاضة الحجارة مروراً بالكثير من الوسائل القتالية التي طورتها وامتلكتها كتائب القسام .
ولم يتوقف الابتكار القسامي عند حد معين بل كشفت عن المزيد من الأسلحة الأكثر تطوراً التي أفشلت العدوان على قطاع غزة (حرب الفرقان التي استمرت من 27/12/2008م وحتى 18/1/2009م )، وأجبرت قادة العدو الصهيوني على وقف إطلاق النار من جانب واحد دون تحقيق أي من أهداف الحرب، وكان من أبرزها صواريخ ” جراد ” وقذائف ” RPG- 29 ” وTandem ” ” وصواريخ من عيار ” 107ملم ” .
وفي حرب الأيام الثمانية ” معركة حجارة السجيل ” على قطاع غزة ( 14 / 11 ـــ 21 / 11 / 2012 م ) استخدمت كتائب القسام لأول مرة صواريخ بعيدة المدى بعضها محلي الصنع ضربت حتى 80 كلم في هرتسيليا، ووصلت لأول مرة في تاريخ الصراع مدن تل أبيب والقدس المحتلة وأسدود.
وفي حرب ” العصف المأكول ” على قطاع غزة ( 8 / 7 ـــ 26 / 8 / 2014 م ) استطاعت المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وقواها المسلحة وبشعبها الأبي أن تصمد أمام آلة الحرب الصهيونية بكل أسلحتها البرية والجوية والبحرية لمدة 51 يوماً، حيث شارك في العدوان أكثر من مائة ألف جندي صهيوني، وأوقعت المقاومة في صفوف العدو عشرات القتلى والجرحى، وأسر العديد من جنوده .
لقد شكلت حرب العصف المأكول انعطافا حقيقيا في التاريخ الفلسطيني، حيث أسست لاستعادة المسار الوطني الاستراتيجي، وهو مسار التحرير والعودة إلى فلسطين، وفي هذه الحرب انحازت الأمة إلى خيار المقاومة .
ولأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تقوم المقاومة بقصف المدن والبلدات الصهيونية في فلسطين المحتلة من المستوطنات القريبة من قطاع غزة إلى مدن حيفا والقدس وتل أبيب واللـد والرملة وبئر السبع ومطار نيفاتيم العسكري ومطار اللـد الذي أغلق لأيام عديدة ومفاعل ديمونا في النقب.
وقد أرسلت كتائب القسام طائرات بدون طيار لتصوير مواقع العدو أطلقت عليها ” أبابيل1 “، وحلقت إحداها فوق وزارة الدفاع الإسرائيلية .
لم تتوانَ حركة حماس لحظةً واحدةً عن تطوير قدراتها العسكرية لتواجه بها الصهاينة، وإن كانت القوة التي تمتلكها لا يمكن أن تقارن بترسانة الاحتلال الأعتى في المنطقة، إلا أن هذه الحركة الربانية تمتلك من العقيدة والإيمان الراسخ ما يمكّنها من الانتصار في أي مواجهة بإذن الله.
لقد أظهرت السنوات التسعة والعشرون الماضية أن حركة حماس لم تعد قوة محلية أو فصيلا فلسطينيا عاديا, فهذه الحركة التي لها رؤيتها ومشروعها السياسي الواضح صمدت أمام التحديات وتجاوزت كل محاولات التصفية والاستئصال, فصارت لاعبا أساسيا ورقما صعبا في المعادلة.
لم تقفز الحركة وجناحها العسكري إلى هذه المكانة المرموقة من فراغ أو بين ليلة وضحاها, بل يمكن القول إن هذه المكانة جاءت امتدادا طبيعيا لتاريخ طويل من العمل والمثابرة, وسجل حافل من التضحيات والشهداء والمعاناة.
لقد نجحت حماس في البقاء لأنها وضعت دائماً مصلحة الشعب الفلسطيني ووحدته قبل كل شيء في مقدمة أولوياتها، وبقيت رموز الحركة وقادتها عنواناً لمعاناة الشعب الفلسطيني المستمرة، وتعبيراً عن حقه الضائع، وبقيت حماس ممثلة لإرادة الشعب الفلسطيني وكفاحه ضد المحتل رغم ما واجهته في سبيل ذلك، وظلت حدقات مجاهدي القسام، وفوهات بنادقهم مصوبة باتجاه صدر واحد هو صدر المحتل .
وما تحتاجه الحركة هذه الأيام؛ أن تعمق رؤيتها بإلقاء نظرة نافذة صادقة إلى داخلها وعلى كل ما حولها وعبر كل ما جرى ويجري، لتتأكد من أن الكمائن التي نصبت لها منذ نشأتها وإلى الآن قد ازدادت، وأن المطلوب إسرائيلياً وإقليميـًا ودوليـًا استدراجها إلى معارك جانبية، جماعية كانت أم فردية، تحولها من أداة فعل وتخطيط إلى أداة ردود فعل وتبسيط، وتبعدها عن أهدافها الحقيقية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات