د. مصطفى اللداوي
د. مصطفى اللداوي

د. مصطفى اللداوي يكتب: انتهاء إضراب الأبطال

أنهى أبطالنا الأسرى والمعتقلون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، معركتهم النضالية وملحمتهم البطولية، ومواجهتهم المعوية المؤلمة القاسية، التي دامت واحداً وأربعين يوماً متتالية، استمرت على مدى الأيام بكامل حيويتها وكل قوتها والتي تكللت بإعلان انتصارهم وتحقيق طلباتهم، ورضوخ العدو لهم ومفاوضته كبيرهم، الذي سموه بأنفسهم مفاوضاً عنهم  في صبيحة أول أيام شهر رمضان الفضيل، ليلتحقوا به بزهوٍ وفرحٍ وإحساسٍ بالعزة والنصر، صائمين متعبدين، ومتبتلين شاكرين، ليواصلوا بعد استجمامهم من عناء الإضراب المضني معركتهم التاريخية ضد العدو بشكلٍ آخر ووسيلةٍ مختلفة، إذ ما كان إضرابهم عن الطعام إلا شكلاً نضالياً  اضطرهم العدو إليه وألجأهم لاعتماده.

 بهذا الانتصار العظيم بعد أيام الصبر والترقب ، أنهي سلسلة مقالاتي التي عنونتها بـ “الحرية والكرامة”، وهو الشعار الذي رفعه الأسرى ونادوا به في إضرابهم، حتى تمكنوا من تحقيقه، حيث تابعت إضرابهم وسجلت الكثير من يومياتهم، وسلطت الضوء على العديد من جوانب معركتهم البطولية.

كما أبرزت المواقف الإسرائيلية والسياسات العدوانية، ونقلت آراء مسؤولين إسرائيليين، وطريقتهم في إنهاء الإضراب وحلمهم بإنهاك الأسرى ومنع نجاحهم، والحيلولة دون تحقيق أهدافهم أو الوصول إلى غاياتهم، قبل أن أثبت أنهم سيخضعون وسيسلمون للأسرى بمطالبهم ويستجيبون لشروطهم، وهو ما كان في النهاية، فالأسرى ما كانوا يعرفون نهايةً أخرى غير الانتصار أو الشهادة.

كنت أشعر بوجوب المساهمة في معركة الأسرى بالقدر الذي أستطيع، وبالوسيلة التي أتمكن,  فسخرت قلمي لخدمتهم، وشغلت نفسي في متابعة قضيتهم وملاحقة أخبارهم وتفاصيل معركتهم، وهو ذات الواجب الذي قلتُ عنه أنه فرضُ عينٍ على كل فلسطينيٍ وعربيٍ ومسلمٍ وحرٍ غيورٍ، فالكل كان مدعواً للمشاركة والمساهمة، فهي معركةٌ لا يعذر فيها أحد، فالجميع قادرٌ على أن يساهم بالقدر الذي يستطيعه وبالطريقة التي تتيسر له، ولا يحق لأحدٍ أن يمن على الأسرى بجهده، أو يتعالى عليهم بعمله، إذ لا فضل يعلو فضلهم ويفوق قدرهم، ويوفيهم حقهم، ويعوضهم عما أصابهم.

وقد كنت في كتابتي مدفوعاً بحبي لهم وحرصي عليهم، وغيرتي على قضيتهم، وإحساسي بالواجب تجاههم، ورغبتي في المشاركة معهم والمساهمة في معركتهم، وقد أكرمني الله مراتٍ عديدةً أنني كنت أسيراً مثلهم، وعشت طويلاً بينهم، وعانيت معهم وناضلت في صفوفهم، وسكنت زنازينهم الضيقة ومعازلهم القاسية، وقضيت طويلاً في عنابرهم ومتنقلاً بين أقسامهم، فكانت سنوات اعتقالي صفحاتٌ ذهبية في سفر حياتي وسجل نضالي.

أشعر اليوم إلى جانب شعبي وأهلي وأمتي والأسرى أنفسهم، بالكثير من السعادة لانتصارهم، والفرح الكبير لانتهاء إضرابهم بعزةٍ وكرامةٍ، وأشكر الله العلي القدير أنه أيدهم في معركتهم، وكان سبحانه إلى جانبهم في معاناتهم، وأنزل عليهم سكينته ورحمته، وربما جنوداً لم نرها، ولولا فضل الله علينا ما تكللت جهودهم بالنجاح، ولا أثمر جوعهم نصراً، ولا صبر ضعيفهم ولا قاوم مريضهم، ولا خنع العدو لشروطهم قهراً، ولكن الله يَمُن علينا بنصره في شهره الفضيل، الذي اعتدنا عليه دوماً أنه شهر الانتصارات، وشهر اليُمن والبركة والخير.

هنيئاً لمن شارك وساهم، وتعب وجهد، وطوبى لمن ثار وانتفض، فهذا أقل ما نقدمه بين يدي أبطالنا الأسرى، الذين نعتذر منهم في الوقت الذي نفخر بهم، ونرفع رؤوسنا عاليةً مباهاةً بهم، فهم الذين منحونا هذا النصر، في هذه الأوقات العصيبة التي عزَّ فيها النصر، وضاقت الدنيا على قضيتنا، وتنمر العدو على شعبنا واستفرد بأهلنا، فالشكر لكم من عمق قلوبنا أيها الأسرى الأماجد والرجال الشجعان.

ورحمة الله على شهداء شعبنا الذين سقطوا في المظاهرات والمسيرات المؤيدة للأسرى والمساندة لهم.

أما المقصرون المفرطون، والمتآمرون الساكتون، والصامتون العاجزون، واليائسون القانطون، فلن يرحمهم أحد، ولن يغفر التاريخ لهم، وسيأتي اليوم الذي تحاسبهم فيه أمتهم، ويثور عليهم شعبهم.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …