د. مصطفى اللداوي
د. مصطفى اللداوي

د. مصطفى اللداوي يكتب: سيدي الرئيس.. لا تفجع شعبك ولا تقتل فرحة أهلك

بقدر ما كان الفلسطينيون فرحين باستقبال رئيس حكومتهم العائد إلى قطاع غزة، ومستبشرين باستلامه مهامه الأصيلة كرئيسٍ لحكومة التوافق، وتسليم وزرائه مهام عملهم في وزاراتهم المنقطعين عنها بسبب الانقسام، فقد صدموا بتصريحات رئيسهم، وهزتهم مواقفه التي أعلن عنها في مقابلته مع الإعلامية المصرية لميس الحديدي، التي استنطقته بحرفيةٍ ومهنيةٍ قصدت بها كشف المستور وفضح المخبوء ووضع النقاط على الحروف الرسمية للاتفاق، فجاءت تصريحاته منافية للتوقعات، وصادمة للمتابعين، ومخيبة لآمال المتفائلين، بل ومنفرة للوطنيين ومقززة للمخلصين، ومثيرة لغثيان الغلابة والمساكين.

فجع الرئيس الفلسطيني الشعب بسياساته التي أعلن عنها، وكأنه لم يسمع بالمصالحة، ولم يقرأ بنودها، ولم يوافق على شروطها، ولم يقدر ما قدمه الآخرون وما بادر به المعارضون، وما رعاه وتعهد به المصريون، إذ عاد بمواقفه إلى سجالات الانقسام الشهيرة، وإسطوانة الفُرقة المشروخة، وضرب المواطنين بقسوةٍ على رؤوسهم ليستفيقوا من غفلتهم، ويصحوا من سكرتهم، التي ناموا عليها بفرحٍ ليلهم الفائت.

جريمةٌ كبيرةٌ هي تصريحات السيد الرئيس، وسقطةٌ لا يمكن السكوت عنها أو عليها، إذ كان المتوقع من سيادته أن يكون أكثر حنواً واستيعاباً، وأوسع صدراً, لا أن يقوم بإعادة نسق التهديدات التي كانت، أو التأكيد على استمرارها وعدم وجود نية للاستعجال في إزالتها، حيث كانت تصريحاته الأخيرة مقصودة وموجهة، ومتعمدة ومباشرة، وصريحة وحادة، ولا يمكن فهمها بغير معناها، أو تخفيفها بتأويلها، أو إخراجها عن سياقها وتغيير معناها، فقد أكد أن العقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة ستبقى، وأن مجلس الوزراء المنعقد في قطاع غزة لن يتخذ أي قراراتٍ تتعلق بتخفيف العقوبات أو إزالتها، وإنما سيتم ترحيل النظر فيها إلى لقاء حركتي فتح وحماس المرتقب في القاهرة، حيث سيتم مناقشة العقوبات إلى جانب العقبات الأخرى التي كانت تعترض سبيل المصالحة.

يخطئ الرئيس الفلسطيني عندما يعتقد أنه أصبح في موضعٍ أقوى فيه من خصومه، وأكثر قدرةً وصبراً منهم، وأنه يملك القدرة على التحدي والمواجهة، والمناورة والمساومة، وينسى أن قطاع غزة قد صبر على الحصار سنوات عشر، وصمد في مواجهة محاولات القهر والإذلال، وثبت على الجبهات وفي الميدان، وواجه العدو والسجان، وأفشل الجيش الذي يعتقد أنه لا يقهر، وأجبره على أن يتراجع ويتقهقر، بعد أن كبده خسائر في الأرواح والمعدات، وكشف حقيقة عجزه وواقع ضعفه، وسلط الضوء على عيوبه وثغراته، وأثبت أنه قادر على مواجهة جيش العدو وهزيمته، وكسر شوكته وتمريغ أنفه، وقد فعل هذا أكثر من مرةٍ، وما زال عصياً أمام العدو، وأقدر على الصمود أمامه من جديدٍ.

لا ينبغي على الرئيس الفلسطيني أن يقيس أوضاع قطاع غزة بمقياسه هو، ولا أن يحدد مدى العجلة والحاجة من منظاره الشخصي في رام الله، بل ينبغي عليه أن يدرك واقع القطاع البئيس، وحالة السكان الكئيبة، والظروف الصعبة القاسية التي مر بها الشعب وما زال، قبل أن يقول لوسائل الإعلام في رسائل مقصودة ومباشرة، إنه غير مستعجلٍ في رفع العقوبات، ونسي أن الشعب مستعجلٌ جداً ويحلم في رفعها والتخلص منها، بل إنه يستغرب فرضها ويستنكر تنفيذها، إذ هل يجوز لرئيس أن يحاصر شعبه ويضيق عليهم، وهل يقبل لزعيم أن يجوع أهله ويعذبهم، فكيف إذا تآمر مع العدو واشترك معه، وطلب منه ونسق معه، ليحكم الحصار ويطيل العقاب ويعمم المعاناة؟!

هل يبقى الرئيس الفلسطيني مصراً على مواقفه، ومتعنتاً في سياسته، وسادراً في عدم مبالاته، ويتمسك بشروطه الجديدة التي استحدثها وحاول فرضها، ليمارس من خلالها ضغوطاتٍ جديدةٍ على حركة حماس تحديداً، وعلى الفصائل الفلسطينية الأخرى والأجنحة العسكرية للقوى والحركات الفلسطينية، فضلاً عن استخدام سكان قطاع غزة كورقة ضغط وعامل إكراهٍ على حماس وغيرها لتقديم المزيد من التنازلات، أو القبول بالشروط الجديدة والموافقة عليها، أم سيستجيب لنداء الضمير ويتراجع، وسيصغي لدعوات العقل والحكمة ويكف عن سياساته العقابية، ومماحكاته العقيمة، وممارسات أجهزة أمنه المستفزة، وينكفئ إلى شعبه لأنه الأثبت والأبقى، ويقف إلى جانبه لأنه الأصدق والأوفى؟   

سيدي الرئيس .. إننا في عجلةٍ من أمرنا، ونريد أن ترفع الحصار عن شعبنا، وأن تعيد وصل ما انقطع من أواصر فيما بيننا، ونتطلع لأن تتيح لسكان غزة الفرصة للاستمتاع بعيشهم فلا تحرمهم من الوقود، ولا تمنع عنهم الكهرباء، ولا تعذبهم بحجب الدواء، ولا تذلهم بمصادرة الحقوق ووقف الرواتب والمستحقات.

ونريد لسلاحنا الحر الطاهر الشريف أن يبقى في أيدينا، تحت الأرض أو فوقها، فهو السلاح الذي حمانا ودافع عنا، وهو الذي كان له الفضل في صد عدونا ولجمه، ولولاه لاجتاح جيش العدو قطاع غزة، واقتحم مدنه وبلداته ومخيماته، وبفضل الله ثم بفضل السلاح الذي تحمله السواعد الأبية، وتقوده القوى الثورية، استطاع شعبنا أن يصمد ويثبت، وتمكن من البقاء والتصدي، ونجح في فرض معادلاته الجديدة، وبسط نظرياته الاستراتيجية، التي تقوم على توازن الرعب ومعايير القدرة والتفوق.

اعلم سيدي الرئيس أن هذه التصريحات والمواقف ليست مروءة ولا شهامة، ولا رجولة ولا شجاعة، ولا شئ فيها من النبل والفروسية، أو من صفات الرئاسة والمسؤولية، فالرائد لا يهين أهله، والقائد لا يخدع شعبه، والرئيس لا يخون أمته، والأمين لا يفرط بالأمانة، والفارس لا يتخلى عن أهله، ولا يهرب من مسؤولياته، ولا يفر من واجباته، ولا يقبل إلا أن يكون عن عشيرته مدافعاً، وعن أهله منافحاً، يتقدم الصفوف قبلهم مقاتلاً، ويتصدى لعدوهم حمايةً لهم وفداءً عنهم، ولا يقبل أن يتمترس بشعبه، ولا أن يأخذهم رهائن لسياسته، ولا يجوعهم ليخضعوا أو يعذبهم ليخنعوا، إنما الحر من يصنع الحرية بشرفٍ، ويضحي بنفسه من أجله وطنه بشممٍ، ويبذل روحه في سبيل وطنه ليحيى شعبه وينعم أهله وتتحرر بلاده.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …