ما إن حطت قدما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرض فلسطين حتى رأى صور الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية مرفوعة في أكثر من مكان، فقد تعمدت سلطات الاحتلال نشر صورهم، وتعميم أسمائهم، واستحضار عائلاتهم، وإظهار الجوانب الإنسانية في حياتهم، وخصصت جزءاً من الحوار معه عنهم، محاولةً لفت نظره وحثه على المطالبة بهم.
وقد أصغى الرئيس الأمريكي لمحدثيه جيداً، وأبدى اهتماماً لحاجتهم، فقد تحدث إليه صراحةً وبصوتٍ عالٍ رئيس الكيان الصهيوني رؤوفين رفلين ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو، الذي يعاني من ضغط عائلاتهم، ويعجز عن الإجابة على تساؤلاتهم، والأول ألح على ضيفه، وأصر عليه أن يضع نهايةً لمعاناةِ عائلاتهم، وعذاب أسرهم.
الجنود الإسرائيليون الأسرى لدى المقاومة وجدوا من يسأل عنهم، ويتبنى قضيتهم، ولا شك أن الرئيس الأمريكي كلف أحد مساعديه للاهتمام بهذه القضية، والضغط على مختلف الأطراف التي تملك مفاتيحها، ولم يخفِ تعاطفه مع عائلاتهم، فكان وعده القاطع لهم بالعمل على تحريرهم وإعادتهم إلى بيوتهم وأسرهم، ولعله كان صادقاً فيما وعد، فهو مؤمنٌ بقضيتهم، ويهمه كثيراً أن يقدم خدمةً لشعب “إسرائيل” وحكومته، ولا يعنيه أنهم أسروا أثناء اعتدائهم على قطاع غزة، بينما كانوا في دباباتهم أو يطلقون النيران على الفلسطينيين من بنادقهم.
أما الأسرى الفلسطينيون فلا نعتقد أن زعيماً عربياً أو إسلامياً من القادة والزعماء الخمسة والخمسين الذين اجتمعوا في الرياض قد ذكّر الضيف الأمريكي بقضيتهم، أو حضه للتخفيف من معاناتهم، ودفع الحكومة الإسرائيلية للاستجابة إلى مطالبهم، وتحسين شروط اعتقالهم، والعمل على إنهاء إضرابهم بتقديم بعض التنازلات لهم، رغم أنهم جميعاً يعلمون أنهم يخوضون إضراب الكرامة عن الطعام منذ أربعةٍ وثلاثين يوماً، وأن عددهم قد ناهز الألف وثمانمائة أسير، وأنهم جزء من أكثر من سبعة ألاف أسيرٍ فلسطيني وعربي يقبعون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وأن بعضهم محكومٌ بمئات السنوات وعشرات المؤبدات، والكثير منهم لا يرى أهله ولا يزوره أولاده، ولا يصافح أحداً من أفراد أسرته.
لا أحد قد نبه الضيف الأمريكي بمعاناة الأسرى الفلسطينيين، كما لم يتجرأ أحدٌ أن يرفع صورهم، أو يذكر بقضيتهم، أو يسر همساً بمعاناتهم، فلعلهم كانوا لا يريدون أن يفسدوا زيارة الضيف الكبير، أو أنهم كانوا يخشون من تعكير مزاجه أو غضبه، فالمقام ليس للفلسطينيين وقضيتهم، والأسرى الفلسطينيون وإن كانوا مضربين عن الطعام فهم في عرفه مجرمون ومخربون، مدانون ومخطئون، ويستحقون السجن والاعتقال، وهو غير مستعدٍ للوساطة لهم أو الحديث مع الحكومة الإسرائيلية بشأنهم، إذ لا يعنيه أمرهم ولا تهمه معاناتهم، ولا تقلقه حالتهم الصحية وتدهور أوضاعهم العامة، ولا يشغل باله بالموت البطيء الذي يحدق بهم, وإسرائيل في نظره دولةٌ ديمقراطية مظلومة، تتعرض للإرهاب وتعاني من الاعتداءات على مواطنيها وجنودها، ومن حقها أن تتخذ كل الإجراءات لضمان أمنها وسلامة مواطنيها.
يدرك الشعب الفلسطيني قبل زيارة ترامب وبعد مغادرته الأرض الفلسطينية، أن أحداً غير أنفسهم وأبنائهم وشعوب أمتهم الحرة الأبية يهتم بقضية أسراهم، ويحزن على أبنائهم، ويسعى لضمان حقوقهم وتحسين أحوالهم، أو يدعو المجتمع الدولي للضغط على حكومة الكيان لقبول طلباتهم والاستجابة لشروطهم، كونها شروطٌ إنسانية وحاجاتٌ مشروعة، لا تتناقض مع القانون ولا تخالف الأعراف والشرائع، ولعل الشعب الفلسطيني ما كان يراهن على الضيف القادم، ولا كان يتوقع منه خيراً أو ينتظر منه نصراً أو يلتمس على يديه فرجاً، فهم يعلمون أنه جزءٌ من الكيان الصهيوني وأحد أعمدته التي يقوم عليها، وهو الذي تعهد بحمايتها والدفاع عنها ما بقي رئيساً للولايات المتحدة.
لكم الله أيها الأسرى الأبطال، وحسبكم المولى عز وجل، فهو جلَّ شأنه الذي يرعاكم ويكلأكم، وهو الذي يدافع عنكم ويحرسكم، وهو الذي يتولى أمركم، وهو ناصركم ومؤيدكم، يحفظكم بعينه ويتولاكم برحمته، فلن يخذلكم أبداً، ولن يتركم أعمالكم، ولن يتخلى عن نضالكم، ولن يُذهب تضحياتكم، فاستعينوا به سبحانه وتوكلوا عليه وحده.
وهو جلَّ شأنه يعلم أنكم خِيرة هذه الأمة، وصفوة هذا الشعب، وأنكم سوطه على عدوه، وأنكم قد انبريتم للدفاع عن أمته، والذود عن حياض شريعته، والحفاظ على قدسية أرضه، لاستعاده القدس وتحرير الأقصى وإعادة المسرى، فمن كانت هذه أهدافه فإن الله معه وهو مولاه، إنه نعم المولى ونعم النصير، ومن كان الله معه فلن يضيره أو يخيفه أحد، وكفى بالله سبحانه وتعالى حافظاً وولياً ونصيراً.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات