ما هو مخطط إيران الحقيقي في اليمن؟ وما طبيعة استراتيجيها؟ وكيف تسعى إلى تعزيز وتثبيت وجودها هناك بعد تصفية الرئيس السابق علي عبد الله صالح؟
تدخلت إيران بقوة في اليمن عبر أدواتها المختلفة، وكان دفاعها المنطقي عن ذلك التدخل وتبريره يتمثل في حجة التعجيل بظهور (المهدي المنتظر) تحت عنوان تهيئة ” جيش اليماني”، ودعم مظلومية الحوثيين في مقابل يزيديي اليمن والجزيرة العربية، ولكن الدوافع الحقيقية هي الهيمنة على اليمن السعيد ومقدراته وموقعه الاستراتيجي المهم والحساس، وضمانه خنجراً في خاصرة دول الخليج العربي؛ ولا سيما المملكة العربية السعودية .
لا أحد يبالغ مطلقاً في وصف قوة ونفوذ إيران في اليمن لتبرر طموحاتها التوسعيّة الخاصة؛ فإيران, بجدارة, هي السبب في الحرب الأهليّة اليمنيّة, والحوثيون وكلاء ومخالب لها. إنها الفوضى العارمة، وإيران فعلاً هي من يتحكم باليمن.
إيران دعمت الحوثيين – بانتهازيّة- لتخلق لها مجال نفوذ جيو سياسي، وقامت بتوظيف مختلف أشكال قوتها للتحكم بأمن مضيق باب المندب في اليمن، الذي يتدفق عبره النفط, وزجت بنفسها عسكريّاً في أتون الأزمة اليمنية المستمرة هناك منذ أمد، مع يقين إيران – كما أعلن عن ذلك قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري, – بأن كل القوى الإقليمية والدولية لن تستطيع هزيمة الحوثيين، ولن يوقف أياً كان تمدد النفوذ الإيراني في اليمن.
لا شك بأن التدخل الإيراني قد أسهم في تعقيد مستوى الصراع، خاصة أنه لم يكن وليد الصدفة، ويجب الاعتراف بأنه لم يتم التعامل معه بجدية منذ البداية، وقد كان ذلك خطأ استراتيجياً فادحاً أدى إلى تضخم قدرات الحركة الحوثية بالصورة التي نراها اليوم، خاصة بعد تحالفهم مع الرئيس اليمني السابق؛ علي عبد الله صالح الذي قام بدوره بفتح مخازن الجيش أمامهم، أما ما يجري اليوم وبعد اغتيال حليفهم صالح, فمن شأنه أن يؤدي إلى مفاقمة الحرب واستفحالها، والسماح للحوثيين في اليمن بتوسيع عملياتهم، وخلق كارثة سياسية غير مسبوقة، ومن المحتمل جداً أن يكسب, من جراء ذلك, تنظيم القاعدة، وداعش في اليمن، وشبه الجزيرة العربية بالفعل، ويُعيد بعثه من جديد، وهو ما سيعقد الأزمة اليمنية، ويجعل منها رأس حربة لنشر العنف والإرهاب إلى دول الخليج العربي.
من الواضح تماماً أن ذلك يُمثل لحظة تاريخية لم تكن تتوقعها إيران للدخول إلى اليمن بقوة. ربما، بأمل أن تعكس التطورات الإستراتيجيّة الأخيرة في اليمن، وما جرى في أزمات المنطقة، ولا سيما في سوريا، والعراق، ولبنانما يعزز مصالحها، وهو ما عبر عنه أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني؛ علي شمخاني واصفاً انتصارات إيران الإقليمية بأنها “تشكل هزائم ساحقة للخصوم؛ وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية التي فقدت جل حلفائها ونفوذها، وبموازاة ذلك باتت إيران، تتحكم بمسار الأحداث والتطورات بشكل رئيسي”.
ترى طهران نفسها صاحبة بصمات التأثير في هذه التغيرات الهائلة، والتي جاءت في خضّم الصراع/التنافس الاستراتيجي بينها وبين غرمائها؛ خاصة السعوديّة، ولذا يبدو أنّ السعوديين قد تأخروا في قرار التدخل في اليمن، لأن الإيرانيين يقولون إنهم اقتنصوا الفرصة التاريخية بشكل استباقي في اليمن لمنع السعودية من تعزيز وجودها العسكري والأمني هناك.
تلعبُ طهران على وتر تغيير مجرى الأمور السياسية في اليمن لتكون وفق أسس لعبة سياسية تقوم على تجنيب الحوثيين أية خسائر فادحة، وهذا يتطلب تحقيق أكبر مكاسب ميدانية، ومن ثم وقف إطلاق النار لتعقبه مفاوضات بين الأطراف اليمنية الكبرى بتوجيه ودعم وموافقة إيرانية، وإنتاج انتخابات برلمانية تضمن تمثيلاً واسعاً للحوثيين، يعقبها تشكيل حكومة محاصصة، شاملة الحوثيين، الذين سيكون لهم تمثيل في كل مفاصل ومؤسسات الدولة؛ عسكرية كانت أم أمنية أم سياسية، مما يشكل ضربة كبيرة للنفوذ السعودي حسب الفهم الإيراني.
لا زالت طهران تركز في إعلامها على موضوع تضخيم الخسائر بين المدنيين في اليمن، وعرض الموضوع من خلال بعده الإنساني، واتهام الرياض وأبو ظبي بالمسئولية عما يجري في اليمن.
في الوقت نفسه، يتم تقديم الحوثيين على أنهم العدو الأكثر شراسة وفاعليّة لضرب الإرهاب؛ المتوقع – إيرانياً – ظهوره قريباً في اليمن، كالقاعدة وداعش والخلايا النائمة وأخواتها في اليمن، وفي كل مكان، وهو ما بشرنا به قائد الحرس الثوري, وهذا سيسمح لإيران ووكلائها الحوثيين الترويج والتسويق لأنفسهم كقوة محورية لديها الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة والغرب في عمليات مكافحة الإرهاب.
أما بالنسبة للمطلوب من إيران حالياً، فيجب أن تستمر في إطالة أمد صراع اللاحسم عسكرياً في اليمن، حيث لها مصلحة في الاستمرار بتوريط التحالف العربي واستنزافه هناك، كما يجب أن تقدّم طهران أسلحة نوعية ومساعدات عاجلة للحوثيين مهما كلف الأمر، ما يساعد إيران على مزيد من التوسع والهيمنة في المنطقة، الأمر الذي سوف يغير المشهد الاستراتيجي, ويثبت أنّ إيران قوة إقليمية كبرى لها مشروعها.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات