أخيراً وكما كان متوقعاً، أعلنَ الرئيس الأمريكي ترامب عن إستراتيجية جديدة تجاه إيران، ناقلاً ملف «الاتفاق النووي» برمته إلى الكونجرس ليدرس كيفية تعديله، وإجراء تعديلات مقترحة عليه.
لم يخرج ترامب عن المتوقّع, فهو لم «يمزّق» الاتفاق النووي كما كان يهدّد في حملته الانتخابية، وفي “حرب التويتر” التي شنّها، ولم ينفذ ما أطلق عليه ” العاصفة “، لكنه في الوقت عينه، فتح الباب أمام إلغاء الاتفاق، من خلال عدم تصديقه على التزام إيران بالاتفاق في حال لم يقم الكونجرس بالدور المطلوب منه .
ما لم يقله ترامب في إستراتيجيته أنّ الحرس الثوري كيان إرهابي، بل نقل مهمة ذلك إلى وزارة الخزانة، وهذا له دلالاته وأهدافه ودوافعه، مع أنَّ المفارقةَ الغريبة الأولى التي تتضح من خلال هذه الإستراتيجية أنَّ ترامب يعتبر إيران أكبر راعية للإرهاب في العالم، وكرّر هذه العبارة أكثر من 38 مرّة منذُ تولية دفةَ الأمور في واشنطن، أمّا المفارقة الثانية أن ترامب لم يُشر في إستراتيجيته إلى حلفائه وشركائه الغربيين، وهم الذين طالما وقفوا إلى جانب أمريكا في سياستها.
المفارقة الثالثة: أن الردّ الأوروبيّ كان جاهزاً، ومعداً مسبقاً عقب خطاب ترامب مباشرة، وهذا يعكسُ ليس حجم عدم التوافق مع الإستراتيجية الأمريكية فحسب، بل يعكسُ درجةَ المصالح الاقتصادية التي باتتْ تحكمُ العلاقات الأوروبية الإيرانيّة، ولو على حساب مصالح وأمن شعوب دول المنطقة، في الوقت الذي باتت معه إيران فعلياً أحد أكبر مصادر التهديد في الشرق الأوسط؛ ومن المفترض أنْ يدفعَ هذا الموقف إلى أهمية مراجعة شاملة للعالم العربي لعلاقاته مع أوروبا، التي لا تعيرُه اهتماماً, وباتتْ دول المنطقة وشعوبها تعاني من الإرهاب الإيراني.
ما قالته أوروبا وروسيا والصين يحملُ نبرةَ التّحدي لأمريكا والعرب على حدّ سواء، من خلال اعتبار الاتفاق النووي بين إيران والقوى الست الكبرى، أقوي من أن يمزّقه ترامب، حيثُ كانَ رفضُ منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ فديريكا موجريني، المس بالاتفاق ملفتاً عندما أكدت أنَّ الرئيسَ الأمريكيّ يملكُ صلاحيات واسعة؛ إلا أنّه لا يملكُ القدرةَ على إلغاء الاتفاق مع عدم وجود أيّ بديل للاتفاق النووي الدوليّ، وتجاهلتْ سؤالاً حولَ أهمية إجراء تعديلات حول الاتفاق للخروج من الأزمة الحالية، ولم يقف الأمر هنا، بل تجاوز البعض أن ما تفوه به ترامب سيُحدثُ شرخاً كبيراً في علاقات أمريكا مع حلفائها الأوروبيين، وكانَ وزيرُ خارجية ألمانيا زيجمار جابرييل أكثرَ صراحةً من الجميع عندما أعلنَ أن عدم تصديق ترامب على التزام إيران بالاتفاق النوويّ سيقرّبُ الأوروبيين من روسيا والصين، وسيدفعهم إلى اتخاذ موقف مشترك معهم.
هنا نُذكر أنَّ الأوروبيين تحديداً قد نسوا، أوتناسوا أنَّ طهرانَ فعلياً قد استغلت الاتفاق النووي ووظفته كغطاء لتهديد الأمن الإقليمي والعربي، مما منحها غطاءً وهامشاً واسعاً للعبث الأمني والتخريب من خلال تشكيل الخلايا النائمة، وإرسال مرتزقتها ومليشياتها حتى يُعملوا ذبحاً وقتلاً في سوريا والعراق واليمن .. والقائمة تطول.
أمّا ردُّ إيران على خطاب ترامب، فكانَ يعكس ردّ فعل دولة مأزومة، ولم تجدْ بينَ دول العالم سوى دول أوروبا إلى جانب روسيا والصين من يدعمها في موقفها الشاذّ من الاتفاق النووي الذي يراعي مصالحها الخاصة الضيقة، بينما العالم مع ضرورة إدخال تعديلات صارمة على الاتفاق النووي، بحيثُ تُلجمُ الصَّلفَ والعدوان الإيراني.
مؤكدات أربع
– المؤكد الأول: أنّ إيرانَ ستعملُ على تفكيك التحالفات الأوربية مع أمريكا فيما يخصُّ الملف النووي الإيراني، والسعي لعدم إدخال أيّة تعديلاتٍ عليه.
-المؤكد الثاني: أنَّ طهرانَ ماضيةٌ في سياساتها العدوانية، والسعي لبناء ترسانة صاروخية، وتوسيع قاعدة إنتاج أسلحة الدمار الشامل، مع الاستمرار بسياسة الخداع النووي، وتهديد الأمن الإقليمي برمته، مع الحرص على عدم الخروج من الاتفاق النووي مهما كانت الأسباب.
-المؤكد الثالث: أنّ المرشد والحرس الثوريّ, وخلفهم روحاني ستكونُ لديهم أزمة داخلية متفاقمة مع التداعيات الاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية بعد الاستدارة الأمريكية الأخيرة، وستكونُ التغطية على فشل الدولة الإيرانية الذريع من خلال الاتجاه نحو دبلوماسية تضخيم المخاطر الخارجية التي تبْرع دولة الولي الفقيه في توظيفها دومًا، لامتصاص نقمة الشارع، علاوة على أن هناك أطرافا داخلية إيرانية شعبية, كبيرة وواسعة, رافضة لسياسات النظام التي أدت إلى تفاقم مشاكله، وأسهمت في العودة للمربع “صفر” بعد إهدار مقدرات الدولة وثرواتها والتفريط بمصالح الشعب المغلوب على أمره بفعل مغامرات النظام العبثية وغير المسؤولة.
-المؤكد الرابع: أنَّ حلفاءَ واشنطن الأساسيين سيتحملونَ عبئاً مهماً في إستراتيجية المواجهة مع إيران؛ خاصّة أنَّ مسودة الإستراتيجية الأمريكية تؤكد أنّ على واشنطن أنْ تتجنب الالتزامات العسكرية المكلفة مع إيران لوحدها، وهذا لنْ يتأتى إلا من خلال شراكات مع حلفائها في المنطقة.
الإستراتيجية الأمريكية تتضمنُ خطوطاً عريضة، ولا تقدّمُ أيّة تفاصيل أو آليات تُذكر عن كيفية ترجمة الولايات المتحدة ذلك إلى خطوات إجرائية عملية، كذلك لم تتحدث الإستراتيجية الجديدة بشكلٍ واضح ٍعن الترويج لفكرة دعم أية عملية انتقال داخلي للإطاحة بالنظام الديكتاتوري الإيراني، وعن كيفية توظيف واشنطن أدوات القوة الناعمة والصلبة الأخرى، لدعم مطالب الشعب الإيراني.
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات