د. نبيل العتوم يكتب: الأمة في مواجهة تحالف سلاح الفتوى والفن

 

الكثيرُ من الأحداث تتسارع، وتشير إلى ذهاب المنطقة برمتها إلى مواجهة وحرب جديدةٍ، لكنّها مختلفة وجديدة عن سابقاتها، بتخطيط وتوجيه أمريكي وبدعم إسرائيلي منقطع النظير، وبحماس وتمويل خليجي ليستنزف ما تبقى من حصالة الصناديق السيادية.

 ساحة الحرب إقليم الشرق الأوسط، والأهدافُ كلّ متهم أو مشتبه به بممارسة الإرهاب، كنا نعتقد أن بوصلة الخيار العسكري سوف تتجه نحوَ عنوانٍ واحدٍ هو ” إيران” الدولة الراعية للإرهاب، وأحد أضلاع  محور الشرّ، والهدفُ الانقضاضُ على الثور الإيراني الهائج، وتحطيم حلم طهران إلى غير رجعة.

لكن ما الذي جرى فجأةً؟  إنه الابتزاز، أو بلغتنا الدارجة “السلبطة”، أو “الخاوة” بعد  الانقضاض الأمريكي على مغارة علي بابا, على الصناديق السيادية  الخليجية, بلا  رحمة أو هوادة، لنهب هذا  الكمّ الهائل من الأموال المتكدسة بكل عملات ومعادن الأرض النفيسة التي تراكمت خلالَ عقودٍ من الزمن، بحجة إبرام صفقات التسلح الخيالية. إنّه الابتزاز تحت تأثير الإحماء الإقليمي، والتسخين العسكري على مقياس متعدد الدرجات، والذي جعل القرصان أو الحليف ترامب مغموراً ومذهولاً مما سطا عليه من كنوز في مغامرته الميمونة الأولى إلى مغارات المنطقة، ليغرفَ منها دونَ حسابٍ.

تطورتِ الأحداثُ، وتسارعتْ معها وتيرةُ الصراع في العلاقات البينية الخليجية، لدرجة باتت معها اندلاع حرب الخليج الثالثة قابَ قوسين أو أدنى، تزامن مع ذلك تسريبات إعلامية مدروسة وغربية بعض الشيء، تمَّ عرضها بشكل ممنهج حيثُ بشرت باندلاع حربٍ كونيةٍ جديدةٍ ساحتها الشرق الأوسط، عنوانها وبشائرها هلّت علينا من خلال  التحضيرات الغربية والإقليمية الجارية على قدم وساق بعد إسدال المشهد الأخير على مسرحية تنظيم الدولة الذي اختفى جيشه وتجهيزاته ومعداته وقادته في السرداب، والله أعلم متى يظهرُ ثانية بنسخته وطبعته الجديدة ليقوم بمهمته الجديدة على غرار مغامرات (توم كروز) في سلسلة أفلامه المهمة المستحيلة mission-impossible

بتنا نعيشُ الآنَ تحتَ رحمة عملية منسقة لجرعات إعلامية متعددة تتحدث عن سيناريو يحاكي عمليات عسكرية إقليمية ودولية للعدوان على غزه وتدميرها، وأن ساعة الصفر ستدق قريباً للانطلاق، مع تسريبات متوازية عن اتفاق محور دحلان مصر وحماس لتخفيف الحصار عن غزة، كمرحلة  اختبار لسيناريو جديد بعد انقضاء مدة صلاحية  سلطة الحكم الذاتي، وبالمقابل  تسريبات هوليودية حول تغيير نظام الحكم في قطر، تقضي بتشويش الكتروني، واحتلال مواقع الاتصال والتحكم والسيطرة في قطر، يعقبها تسلل قوات خاصة بلباس الجيش القطري للانقضاض والاستيلاء على الحكم  هناك، وإصدار بيان يفيد بانقلاب داخلي قطري، هذا إلى جانب  الترويج لسيناريو آخر يقوم على تدخل قوات (درع الجزيرة) للإطاحة بالنظام القطري.

  الجانبُ الآخرُ من التسريبات تركّز على  وصول حاملة الطائرات العملاقة (جورج بوش) ورسوها بالقرب من الشواطئ الإسرائيلية،  لاستهداف إمّا حماس، أو حزب الله، أو النظام السوري، أو حتى المعارضة السورية، أو  تنظيم بيت المقدس في سيناء أو جميعهم.

المثيرُ أنَّ التسريبات رغم كثافتها لا تتحدث عن إيران ولا مليشياتها أو مرتزقتها، ولا أذرعها التي عاثت فساداً في المنطقة، أو أن ما يجري هو تضليل إعلامي للتغطية على ضربة تستهدف مكامن القوة الإيرانية من خلال مداخل الأزمات الإقليمية؛ وفي مقدمتها سوريا، أو لاستهداف الحوثيين.

هذا اللغط والتسريبات الإعلامية الكبيرة والمتناقضة، لا تتمُّ وفق جانب عبثي استعراضي، ومن المؤكد أنَّ هدف كل ما يجري هو لجهة تشتيت الانتباه عن مخطط جلل وخطير وواسع تمّ التحضير له بدقة وعناية لاستهداف الأمن الإقليمي برمته؛ وبصورة محكمة، وسيتم تطبيق مراحله قريباً وعاجلاً وبشكلٍ مدروسٍ، وهذا ما دعا وسائل الإعلام الغربية أن تبُشر بحروب كبرى قادمة على الشرق الأوسط.

على الجبهة الأخرى أصبح ما يجري في العراق وسوريا واليمن في ذيل الاهتمامات على الرغم من خطورة تداعياته.

 ما لفتنا جميعاً وسط  هذه التطورات (الدرماتيكية ) والزلزال السياسي غير المسبوق الذي ضرب منطقة الخليج على وجه التحديد، حالة الإحماء والتسخين الشرعي لماكينة الإفتاء المهترئة  التي لم يتمّ حتى عمل  (عَمرة/أفرهول) لها منذ عقود، في محاولة لإضفاء غطاء ديني لكل ما جرى، وسيجري من تسويغ وشرعنة لارتكاب المذابح وبث الفتن، لدرجة دفعتني لمحاولة حجب كل القنوات الدينية عن  المشاهدة في بيتي حتى لا أرى هذه الوجوه   الكالحة، التي تعيشُ حالة الانفصام الديني والأخلاقي والديني، ولا  حتى سماع فتواهم المدفوعة الأجر..  تبًاً للإفتاء السياسي الذي ينام عن مآسي الأمة وانتهاك كرامة الشعوب وأعراضهم، ووأد حرياتهم. تباً للإفتاء السياسي الصامت الخانع عن سلب مقدرات  الأمة وثرواتها وكرامتها، فجأة يطل علينا شيوخ بعد غفوتهم الطويلة الشبيهة بنوم أهل الكهف بحللهم الجديدة، ليزجوا بأنفسهم في أتون السياسة، بعد أن حرمَوا الخوض بها، وانعزلوا في قصورهم الفاخرة، التي يتفاخرون بها، مما منحهم إياها السلطان، وشغلتهم رحلات الشتاء والصيف الفارهة إلى أوروبا وأمريكا، وليطلوا علينا  في المواسم ليحدثونا عن أحكام الحيض والنفاس، وزواج الفرند، والمسيار، وأحكام المسواك.

في معمعة  العهر السياسي، العجيب الغريب عندما  يتحالف، ويأتلف  فجأة  ودون سابق إنذار سلاح الفتوى وسلاح الفن، والرياضة، والرقص، تبرزُ المواقفُ، وتسقط الأقنعة الضالة، كوشم بوجه الزمن الغابر الذي جعل لأمثال هؤلاء الحظوة والمكانة والرأي السديد، والتي لا سبيلَ لنسيانها مطلقًا، ومن بين أبرز هذه المواقف إبان الأزمة السورية يخرج علينا (دريد لحام) و(عادل إمام) و(رغدا) و(فيفي عبده) متضامنين مع نظام بشار، وكل القتلة والمأجورين  اللذين أمعنوا قتلاً بشعوبهم، ثم تمّ عمل “رفرش Refresh لآلة الإفتاء العربي الرسمي لإيقاظها من سباتها الصيفي، لمواجهة المستجدات والتطورات التي تروج اليوم للفتنة والحرب، ونهب مقدرات الأمة، ولتضع نفسها أمام 300مليون استنكار؛ بعدد سكان العالم العربي المسحوقين والمغلوبين على أمرهم، بدون لاجئيه الذين تقطعت بهم السبل، والذين وصلوا إلى الملايين. الغريب أنَّ هذه الأزمات الطاحنة التي تمرُّ بها الأمة كشفت بشكل جلي كيف يتشابه سلاح آلة الإفتاء الرسمي العربي مع سلاح الفن  والرقص والعري .. حتماً لا فرق بينها .

إن تحالف آلة الإفتاء مع الفن ضدّ الأمة ومصالحها لهو أمر معيب ومشين ومُحرم، ويستدعي منا إعادة النظر بمجمل فتاويها السياسية التي أسهمت في وصول الأمة إلى التهلكة والضياع، مع ما لحقها  من تراجعٍ وهوانٍ وذلٍّ .

نقول بملء أفواهنا: آنَ الأوانُ لنقولَ لأمثال هؤلاء: ألا تبتْ أيديكم ..ألا تبتْ أيديكمِ.

سحقاً لكم .. إنّ موعدكم الصبحُ أليسَ الصبحُ بقريب؟

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

 

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …