د. نبيل العتوم يكتب: عقوبات جديدة على إيران

  أعلنتْ واشنطن فرضَ عقوباتٍ جديدةٍ على إيران، وروسيا، وكوريا الشمالية، وما يهمنا أنَّ قرار مجلس  النواب الأمريكي استهدف طهران على خلفية برنامجها للصواريخ البالستية و”أنشطتها العسكرية  المدمرة في الشرق الأوسط”، ودعتها إلى “الالتزام بكامل بنود الاتفاق النووي، ووقف أنشطتها التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط”، وشملت العقوبات الجديدة وكالة الفضاء الإيرانية، المسؤولة عن تطوير البرنامج الصاروخي، وتقنية تطويرها.

استهدفَ  القرار كيانات وشخصيات على علاقة بالبرنامج الصاروخي الإيراني والحرس الثوري و”المنظمات الإرهابية  المرتبطة به”، وشخصيات إيرانية بسبب الاشتباه بقيامهم بسرقة برامج وتكنولوجيا حديثة من الولايات المتحدة والدول الغربية وبيعها للحكومة الإيرانية. بموازاة ذلك، صعدت الولايات المتحدة لهجتها، حيثُ طالبت طهران بـ”الإفراج الفوري عن جميع الأمريكيين المحتجزين في السجون الإيرانية بتهم فبركتها أجهزة المخابرات  الإيرانية“، كما أشارت إلى “الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد رغم الجرائم التي ارتكبها ضد الشعب السوري، وإلى تأجيجها الحرب في اليمن من خلال تزويد الحوثيين بأسلحة حديثة لضرب أهداف داخل السعودية، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر”.

 

ردة الفعل الإيراني

 أحدثتِ العقوباتُ الأمريكية الجديدة حالة اصطفاف رسمي وثوري غير مسبوقة في إيران، حيثُ سارعت القوى إلى الإعلان مجتمعة، أنها ستردُّ بالمثل وبقوة على واشنطن، وأنها ماضية في تطوير برامجها الدفاعية، بما فيها الصاروخية، وكشفت النقاب عن تطويرها لبرنامج صاروخي جديد أصطلح على تسميته ” الصياد”.

 تخشى طهرانُ من تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، مما يعني شرعنة استهدافه داخل إيران وخارجها؛ ولا سيما داخل مستطيل الأزمات السورية، واليمنية، واللبنانية,  وفي كل مكان يتواجد فيه، مما جعل إيران تدرك تبعات هذا القرار، حيثُ سارعَ  رئيس هيئة أركان الجيش الإيراني، اللواء محمد باقري، إلى اعتبار “فرض أي عقوبات أمريكية تصنف الحرس الثوري على أنه منظمة إرهابية يعني أن قواعد الولايات المتحدة في المنطقة  ستصبح في خطر”، إلى جانب تصريح لافت لقائد الحرس الثوري السابق ومستشار المرشد اللواء رحيم صفوي الذي أكد أن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استهداف مكامن قوتها، وأن المنطقة ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات. 

بعد مرور عامين على توقيع الاتفاق النووي، لا تبدو النتائج  مطابقة لما كان يراد تحقيقه، ولم يثبت الواقع صحة, ودقة التوقعات الدولية والإقليمية بأن الاتفاق النووي مع إيران سيؤدي إلى ارساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة، في وقت تُطرح فيه تساؤلات مهمة ومحورية عن جدوى هذا الاتفاق الذي اعتبرته إيران ضوءاً أخضر للمضي في سياساتها التدخلية التدميرية في المنطقة والإقليم، وباتت طهران لاعباً يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بمجمله. 

رهانُ طهران كان، ولا زال يكابر  بأن (ترامب) لن يستطيع الانقلاب على الاتفاق النووي وإلغائه على اعتبار أنه اتفاق دولي،  وليس مجرد اتفاق بين دولتين وأن من شأن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي أن يشكل ضربة لمصداقية الدول العظمى الأخرى الضامنة للاتفاق، إلى جانب رهان إيران على انفجار الخلافات  داخل الإدارة الأمريكية بين البيت الأبيض، ووزارة الخارجية حول الموقف من التعامل مع الاتفاق النووي .

ما لم تدركه إيران أن خطوات ( ترامب) التصعيدية قد بدأت فعلياً  بالابتعاد عن سياسة أوباما التي وفرت غطاء لممارسة طهران لدور وظيفي هدفه التوسع والهيمنة وبسط النفوذ، مما سيؤدي في نهاية المطاف لعزلة طهران وتحجيمًا لنفوذها وللخطوط الحمراء التي تمَّ الاتفاق حولها؛ ولاسيّما أن هناك خطوطاً مرسومة تجاوزتها طهران.

السياسة الأمريكية الجديدة صدمت إيران، حيثُ بدأت بوادرها عبر سياسة واشنطن بناء تحالفاتها الإقليمية بناء على فهمٍ، أساسه ضرورة لجم إيران، وتحجيم نفوذها، واعتبارها أحد أهم مصادر التهديد الإقليمي، من خلال اتهامها بزعزعة الأمن في سورية، والعراق، واليمن، ولبنان…، إما بشكل مباشر أو عبر تنظيمات تصفها الإدارة الأمريكية بأنها “إرهابية ومدمرة “، إلى جانب إعلان واشنطن بشكل رسمي وعلني عملية تغيير النظام الإيراني بشكل سلمي، مما يعدُّ تطوراً مهماً في التعامل مع طهران.


لا شك أن الراصد والمتابع للشأن الإيراني يجد أن الاتفاق النووي لا يزال يحظى بمؤيدين كثر في طهران، بما فيهم حتى الحرس الثوري الإيراني، لكن لماذا؟  

 هناك من يشدد في مؤسسات صنع القرار السياسي والأمني والثوري أن هذا الاتفاق أتاح بناء مجال حيوي إيراني غير مسبوق  وأن الاتفاق يُطبّق بحسب الرؤية والفهم الإيراني، وبات غطاء لبناء طهران لترسانتها العسكرية، وممارسة سلوك خارجي تحت عنوان  التوسع وتدمير الخصوم الإقليميين بحجة مكافحة الإرهاب,  وبالتالي سيكون من الصعب فهم لماذا تريد إيران خلق أزمة مع المجتمع الدولي من خلال التصعيد  طالما هي تقوم بتطبيق بنود الاتفاق النووي “وطالما أن هذا الاتفاق لم يشكل خطراً على  سياساتها التوسعية، ولم يعرقل حيازتها لبرامجها الصاروخية ضمن المديات التي تراها مناسبة، ولا حتى لتطوير برنامجها  النووي.

 بالمقابل فإن إيران مقبلة على أيام عصيبة كذلك، فالعقوبات الأمريكية ستسهم في التأثير على  الاقتصاد  الإيراني، ولاسيّما وأن العقوبات الجديدة ستؤدي إلى تحجيم عملية الولوج إلى السوق الإيراني والاستفادة من فرض الاستثمارات والصفقات التجارية المتاحة فيه. على الرغم من أن بعض المستثمرين  الغربيين يواصلون سياسة “الهجوم الاقتصادي” ولا سيما من جانب فرنسا، وألمانيا التي وقعت اتفاقيات اقتصادية ضخمة مع طهران.

أسهمت العقوبات الأمريكية الجديدة في إحداث حالة جدل داخلي إيراني حولَ جدوى سياسات الرئيس روحاني ونبرته التصالحية مع أمريكا، وجدوى ذلك أمام ضعف خيارات إيران واستمرار  واشنطن في فرض العقوبات تباعاً، والتي تؤكد أن الهدف من ذلك   إضعاف الاتفاق النووي، وحشر إيران في  الزاوية الضيقة وإجبارها على ارتكاب حماقة قد تدفع ترامب للرد، مما يثيرُ التساؤل حول حقيقةٍ  مفادها: هل سيصمد الاتفاق النووي أم لا؟! وما هي خيارات إيران لمواجهة ذلك خاصة أن سيناريوهات استهداف إيران وحلفائها في المنطقة – وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني – باتت تلوح في الأفق؟

وما هو موقف القوى الغربية الأخرى، وروسيا، والصين من كل ما يجري؟

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …