د. نبيل العتوم
د. نبيل العتوم

د. نبيل العتوم يكتب : ملحمة حلب .. حرب الأشباح

تقول إيران: “يدرك النظام السوري وحلفاؤه، أهمية تحرير حلب، بوصفها عملية مصيرية فاصلة في معركة سورية الكبرى؛  فحلب هي عاصمة سورية الاقتصادية، وثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان بعد دمشق.. فضلاً عن ذلك، تُعرَف حلب بولائها لبشار الأسد؛ فسكانها تجارٌ لا علاقة لهم بالسلاح أو الحرب. إنها مدينة مسالمة، لم تشارك في المعركة ضد النظام السوري بملء إرادتها؛ وإنّما زُجّ بها، نتيجة فتح الحدود مع تركيا، فتداعى إليها الإرهابيون من كل حدب وصوب،  مدعومين تركيّاً بمشاركةٍ قطرية وسعودية”.

معركة حلب .. درس في الإستراتيجيات

إنّ تنسيق الإستراتيجيات والعمليات الميدانية الواسعة التي تشنّها قوات النظام السوري والطيران الروسي وإيران ومرتزقتها، تعدُّ آخر الفرص للحسم العسكري، تحقيقاً لأهدافهم المرجوّة بهزيمة الشعب السوري المقاوم، ومن ثمّ كسر شوكة من احتضن الشعب السوري ونضاله، إيديولوجياً وتوجّها سياسياً. ومِمّا لاشك فيه أنّ قطع الدعم  اللوجستي الأول للمقاتلين من جهة  تركيا، بوصفها  طريق الإمداد التسليحي والبشري الأوحد للمسلحين شمال سوريا، هو الهدف الأبرز للعمليات العسكرية التي تجري الآن هناك .

إلا أنّ اعتراف إيران الأخير بعد تسريبات روسية محقة، كان صفعة لبشار الأسد وزبانيته من جهة، ولإيران وحلفائها من جهة أخرى.. حيث تكاتفت  المعارضة المسلحة بمختلف تصنيفاتها على الأرض، من خلال جهد عسكري مُنظّم، استعملت من خلاله جميع الأوراق المُتاحة فكّاً للحصار الظالم عن  أحياء حلب الشرقية، التي أحكم الجيش وحلفاؤه الطوق عليها سابقاً .. أمّا اليوم فالصوت للأحرار، والكلمة لعملياتهم الاستثنائية على الأرض، وقد كبدوا النظام وإيران وحزب الله ، خسائر فادحة وغير متوقعة، حتى خرجوا من جحورهم أشباحاً لا تُعرف لهم وجهة ولا هدف.

وفي هذا الصّدد توكّد المعلومات الإيرانية أنّ المعارضة السورية لجأت إلى استراتيجيات مبتكرة فاجأت الجميع، على النحو الآتي:

الإستراتيجية الأولى: تمّ نقل أكثر من خمسة آلاف مسلح في معركة جنوب حلب بهدف فتح خط إمداد لشرق حلب وفك الحصار عنها، وامتدت الجبهة على طول (22) كلم، حيث تمّ شن هجمات مركّزة .

الإستراتيجية الثانية: قامت المعارضة المسلحة بتوجيه أكثر من (48) سيارة  مفخخة، يقودها استشهاديون، اقتحاماً لمواقع جيش النظام ومن شايعه من الحلفاء، مِمّا كبدهم خسائر كبيرة  .

الإستراتيجية الثالثة: تعمية الاستطلاع والقصف الجوي من خلال طريقة مبتكرة؛ لجأ إليها أطفال ورجال حلب، حيث أُضرِمت النيران في أعدادٍ كبيرة من الإطارات بهدف التعمية على الطيران الغادر؛ مِما أعاق عملها على نحو كبير .

الإستراتيجية الرابعة: التعبئة الدعوية، حيث شنّ الأحرار حرباً نفسية عالية المستوى، قبيل معركة حلب، التي سميت بـ ملحمة حلب الكبرى حيناً، و معركة فك الحصار أو كسره أخرى .. الأمر الذي حمل “طهران” على تسميتها بـ (التعبئة الداعشية)، وأنّ دعاتها متطرفون، بشّروا أتباعهم بالنصر أو الشهادة، ووعدوهم بالجنان، والحور العين، وعلى رأس هؤلاء المحرضين (السعودي عبد الله المحيسني) القيادي في جبهة فتح الشام (جفش) – النصرة سابقا- و(القاضي الشّرعي) العام في جيش الفتح.

كابوس أردوغان وتوظيف المتغيرات

تقول طهران إنّها ستسعى جاهدة في سبيل إنهاء حلم “أردوغان” في إنشاء منطقة عازلة، وإنّ هذه معركة مصير، دفاعاً عن بقية الأرض السورية والمصالح الإيرانية، لذا فإنّ ما يجرى في حلب على درجة عالية من الأهمية، لارتباطه بالمعادلات والمشاريع الإقليمية، فضلاً عن كونه يتقاطع مع رؤية بشار الأسد الذي أعلن أنّ حلب ستكون المقبرة التي سيدفن فيها أحلام أردوغان، ويقضي على الإرهابيين.

 وفي هذا الصدد تؤكد  قيادات طهران على عدد من المتغيرات التي يجب استثمارها على الفور :

-المتغير الأول: يتركّز حول أهمية استغلال الفرصة التاريخية؛ حيث انشغال السلطات التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة بالداخل التركي، لصالح دعم بشار وحلفائه في توجهاتهم العسكرية.

المتغير الثاني: ضعف الدعم اللوجستي والاستخباري بين تركيا والسعودية من ناحية والمعارضة المسلحة من ناحية أخرى بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، الأمر الذي سيؤدي إلى تعطل التواصل  السعودي والقطري في تأمين الدعم العسكري والاقتصادي والغذائي للجماعات المسلحة، نتيجة تدهور الوضع الداخلي في تركيا فضلاً عن سد أنقرة لطرق الإمدادات إلى سورية خشية استغلالها من قبل الانقلابيين لإعادة الكرة وقلب الأوضاع مجدداً، لهذا يجب الانطلاق بعملية عسكرية تضم جميع الحلفاء من أجل القضاء على المعارضة.

 المتغير الثالث: ضرورة توظيف الحوار الروسي الأمريكي وتسخيره في خدمة العمليات العسكرية الميدانية، لا سيّما في ظل الاتهامات التركية للغرب عامّة وأمريكا خاصّة، بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، وما نتج عنها من فتور في العلاقة التركية – الغربية، وعليه لابدّ من  المسارعة إلى تكثيف الجهود ودعم بشار وحلفائه لسحق المعارضة.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى نظرة طهران حول المفاوضات الجارية بشأن الحل السوري المقررة أواخر الشهر الحالي، التي تستلزم أوراق ضغط بوجه المعارضة ومن يدعمها، لاسيما تركيا والسعودية وقطر، ولعلّ “حلب” إحدى أهم هذه الأوراق التي ستحسم الملف سريعاً.

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية –  مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …