د. نزار السامرائي يكتب:أمريكا حرب على الأصدقاء .. ويد ممدودة للأعداء!                                

من الحقائق التي بات حتى البسطاء، والسذج يعرفونها أن أمريكا متحالفة مع إيران ومع التشيع تحالفاً مصيرياً, غير قابل للانفصام لأسباب معروفة، ومن خلاله تتحرك إيران لاحتكار تمثيل الإسلام الشيعي في العالم والتعبير عن مواقفه، وقد ثبتت نصوصاً دستورية تعبر عن ذلك وأشارت إلى أنها غير قابلة للتغيير.

لندع تزويق الكلمات وما تستشعره أطراف كثيرة؛ وطنية أو قومية، حيث يذهب البعض منهم من الذين تدفعهم مبادؤهم إلى الدفاع عن مواقف إيران تحت لافتة أنها تقود قوى الممانعة والمقاومة، أو في العراق من الذين استدرجتهم العملية السياسية إلى صفوفها أو على بوابات مديري مكاتب المتنفذين فيها، لإبعاد النفس عن حقيقة ارتباطهم بإيران سياسياً وأمنياً وعقائدياً، وبشعور مخزٍ بالدونية تجاه سلطة الولي الفقيه, إلى إعطاء تأويلات من أجل فك الارتباط بين العلاقة بين إيران ومحاولات التشييع السياسي.

ولا شك أن من يفعل ذلك، إنما يفعله للحصول على مكاسب آنية متصادمة مع شعاراته المرفوعة في سماء المنطقة، أو لإبعاد خطر الاستهداف الأمني أو كليهما معاً.

بالمقابل فإن أمريكا لم تفتح النار على إيران؛ ممثلة الشيعة في العالم رغماً عنهم، ولو إطلاقة واحدة، وهي تستطيع فعل ذلك من دون خشية ردّ فعل إيراني بأي شكل, بسبب فارق القوة بين الطرفين، ومن حقنا أن نسترجع حادث إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية فوق مياه الخليج العربي في 3/7/1988 أثناء إدارة الرئيس الأمريكي ريجان، وقد ابتلعت إيران الموضوع، ولم تتجرأ على مواصلة الحديث عنه خاصة عندما قال ريجان بأن الطائرة (أسقطت من قبلنا، وانتهى الأمر)، ولكن خط التشدد الأمريكي مع إيران انتهى بعد ذلك بانتهاء ولاية ريجان، عندما جاء رؤساء ضعفاء أو أصحاب أجندات تريد إعادة الثور الإيراني إلى الحظيرة، تغيّر اتجاه بوصلتهم لاستهداف العراق.

ومنذ العدوان الثلاثيني سنة 1990م على العراق، والذي كان من نتيجته أن دفع العراقيون ثمن مواجهتهم للعدوان الأمريكي باهظاً لاعتبارات مستندة إلى تفسيرات تلمودية أو إلى حساب المصالح العليا للولايات المتحدة واستراتيجيتها للهيمنة على الوطن العربي باعتبار أن عموده الفقري هو العراق,

وفي الوقت الذي ترتفع فيه الشعارات الأمريكية عن التصادم المحتمل أو القريب مع إيران وما تمثله أدواتها في المنطقة، كانت النيران الأمريكية لا تتوقف عن استهداف العرب بصرف النظر عن طبيعة النظم السياسية في بلدانهم، أما شعارها العالي الوتيرة عن الخطر الإيراني وتصديها له وخاصة أثناء إدارة الرئيس الحالي ترامب, الذي تنصل في حملته الانتخابية من سياسة السكوت عن التوسع الإيراني في المنطقة والعالم والتي أخذت شكلاً استفزازياً ومثيراً للريبة والغضب العربيين أثناء إدارة أوباما الواهنة، لكن ترامب لم يغير من الوقع شيئاً باستثناء الشعارات المخيفة للعرب بهدف بيع المزيد من السلاح الأمريكي لدول المنطقة تخويفاً من الخطر الإيراني الماثل، ووضع الكوابح على خطوات الأمة لامتلاك القدرة الذاتية للدفاع عن أنفسهم وعن حسم أية معركة مع الأذرع الإيرانية المنتشرة فوق أرضهم. ولعل تجربة الحرب في اليمن أفضل مثال على ما تمارسه واشنطن من ردع لكل نوايا الإفلات من هيمنتها على القرار السياسي العربي للحرب في المنطقة، وتأتي الأزمة السورية تاليًا من حيث وضوح صورة التدخل الأمريكي في القرار العربي، ولكن هذه الأزمة تعد مثالا لمحدودية التدخل العربي فيها بسبب التردد الذي انتاب العرب عن المشاركة في أي جهد جدي لحسهما لصالح الشعب السوري، أما إيران فكانت أكثر جدية وقدرة على المضي في مغامراتها حتى النهاية, وعلى استعداد لتحمل تبعاتها، من أجل الوصول إلى غاياتها الاستراتيجية وأكثر استقلالاً في اتخاذ قراراتها المصيرية، وما كان لهذا أن يحصل لولا أن إيران على يقين بأنها لن تدفع ثمناً مماثلاً لما دفعه العراق عامي 1990 و2003، فهي ليست على ذلك القدر من الإقدام لتدخل في مواجهات ساخنة بصورة مباشرة مع أحد، لأنها لديها الضوء الأخضر؛ الأمريكي والروسي أو الأوربي على حد سواء للتحرك على الساحات الخارجية لتكريس نفوذها المستحصل في أوقات سابقة أو للتوسع أفقياً، أو لتعميق منجزاتها عمودياً في ساحاتٍ تمكنت من الهيمنة عليها بدعم سري أو بصمت علني؛ أمريكيا وروسيًا.

هذا في مجال العمل الميداني, أما في مجال خرق حقوق الإنسان فإن أي بلد آخر في العالم لم يرتكب ولو النزر اليسير مما ارتكبته إيران في هذا المجال تجاه شعبها أو في تعاملها مع المواطنين الأجانب من مزدوجي الجنسية أو من ذوي الأصول الإيرانية، ورغم أن الاتحاد الأوربي معروف بأنه سبّاق لمتابعة هذه القضية بصورة مباشرة أو من جانب المنظمات الدولية أو الحقوقية الإنسانية، هذا إذا أغفلنا دور الأمم المتحدة وأمينها العام وكذلك الخارجية الأمريكية التي جعلت من نفسها قيَمًا على حقوق الإنسان في العالم، وبينما إيران تتحدى العالم، وتسجل ثاني أعلى نسبة في الإعدامات السياسية وفي الساحات العامة ونصيب العرب منها هو الأعلى من بين الشعوب الإيرانية، فإن فرنسا لم تحرك ساكنًا سوى أن تقدم رشوة للشعوب الإيرانية عن طريق استضافتها لمؤتمر سنوي لحركة مجاهدي خلق، المنظمة ذات الحضور المحدود على مستوى الشارع السياسي الإيراني.

وتتعدد أوجه التنسيق والدعم الأمريكي لإيران؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:

1 – غض النظر عن توسعها في مناطق ظلت واشنطن تزعم أنها لن تتخلى في أي ظرف عن تضحياتها الكبيرة التي بذلتها فيها, لتأتي إيران فتصادرها بلا جهد حقيقي أو تضحيات ملموسة، ولعل الساحتين العراقية والسورية هما أبرز الساحات التي تظاهرت الولايات المتحدة أنها عاجزة عن مواكبة الدور الإيراني المتنامي فيهما أو القدرة على الحد منه، تارة تحت شعار أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا تريد تكرار أخطاء فيتنام والعراق وأفغانستان التي نحتت في الوجدان الأمريكي صدمة نفسية مدمرة، وتارة تحت ذريعة الخشية على المؤسسات الأمريكية في المنطقة بما فيها السفارات والمعسكرات من أية ردود فعل لعملاء إيران، ونحن نعرف أن الولايات المتحدة تحسب كل شيء بدقة ولا تخشى ردود فعل طائشة هنا أو هناك, وإيران تعي جيدا حجمها أمام القوة الأمريكية، ولكن الملاحظ في هاتين القضيتين أن الولايات المتحدة التي كانت تطرح أن الشيعة في العراق أغلبية ومن الطبيعي أنهم يرنون بأبصارهم نحو إيران، وبفرض أننا سلمنا جدلا في ذلك، فما بال الوضع في سوريا؟ هل هناك ثقل حقيقي للشيعة في بلد الخلافة الأموية؟ أم أن واشنطن تريد لإيران الهيمنة لأن الولايات المتحدة تعرف أن الإسلام السني هو الذي يتصدى لوجودها في المنطقة؟

ومع أن الزعم هذا في حال تبنيه والاصرار عليه، يدلل على أن أمريكا تؤكد أن إيران منتج ومصّنع ومسّوق دولي للإرهاب، فإن الإدارات الأمريكية بما فيها إدارة ترامب التي طرحت أكثر الشعارات تشددا بوجه إيران, لم تختلف كثيراً عن سابقتها لأنها استراتيجية كونية أمريكية ربما للقرنين العشرين والواحد والعشرين.

2 – بصورة سريّة تشجع الإدارات الأمريكية دول العالم على مد الجسور الاقتصادية وعلى كافة المستويات مع إيران، أو تغض الطرف عن مثل هذه الخطوات التي تمكن إيران من كسر جدار العزلة المفترضة عليها أمريكياً أو دوليّا وهي قادرة على منع ذلك ولكنها لا تريد، مع تواصل الشعارات المعلنة من هذه الأطراف بأنها ملتزمة بقرارات مقاطعة إيران اقتصاديا وتجاريا، مع ملاحظة أن إيران دولة براجماتية لا تكترث كثيرا لما يقال عنها في المحافل الدولية أو أجهزة الإعلام من هذه الدولة أو تلك، بقدر ما يهمها حجم الصفقات التجارية التي توقعها، وتعي الولايات المتحدة أن مداخيل إيران من هذه العلاقات ستذهب إلى صناعاتها الحربية كالصواريخ والبرنامج النووي، وإلى أذرعها الإرهابية في المنطقة والعالم، ولعل في خطاب حسن نصر الله الذي أعلن فيه أن ميزانية حزب الله اللبناني المدنية والعسكرية بالكامل من إيران، ما يؤكد تلك الحقيقة.

3 – بالمقابل نلاحظ ما تتعرض له تركيا باعتبارها حليفا تاريخيا للولايات المتحدة وعضواً في حلف الأطلسي من تآمر أمريكي وضغوط سياسية وأمنية تمثلت في دعم الإرهاب الكردي لتقويض أمنها الداخلي, أو لنتوقف قليلا عند محاولة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في تركيا في 15/7/2016، والتي لا يمكن بأي حال منح واشنطن شهادة براءة أو حسن سلوك منها، لأن عاقلاً لا يمكن أن يصدق أن واشنطن إن كانت بعيدة عما جرى فإنها لا يمكن أن تكون خارج دائرة المعرفة المسبقة بهذا العمل الكبير, فهناك منظومة متكاملة من القواعد العسكرية أو قواعد التجسس سواء أنجرليك الكبرى أو قاعدة التجسس المتخصصة قرب أنقرة الموجهة لرصد اتصالات الاتحاد السوفيتي السابق، فهل يعقل أنها تعطلت جميعها؟

فهل حصل شيء من هذا ضد نظام (الولي الفقيه) الذي يصنف أمريكياً بأنه عدو رقم واحد؟ إن ما يشجع إيران على مواصلة نهجها العدواني التوسعي، أن واشنطن تؤكد بين آونة وأخرى أن الخيار العسكري مستبعد تجاهها، على حين يشتد تآمرها على أصدقائها المفترضين، ولنأخذ مثلا آخر غير تركيا؛ دول التحالف العربي في اليمن، التي استنزفتها الولايات المتحدة أثناء زيارة ترامب مقابل وعود بتطويق النفوذ الإيراني وضرب أذرعه في المنطقة، فماذا حصل بعد ذلك؟

ها هي الولايات المتحدة تلعب دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة تعلن تأييداً علنياً لدول التحالف العربي، ومن جهة أخرى تحرض المنظمات الحقوقية والإنسانية لنشر تقارير ملفقة عن أوضاع اليمن الداخلية، وبالمقابل فإن طائرات الاستطلاع الأمريكية المتطورة التي تستطيع رصد أصغر هدف جوي أو بحري أو بري، تتعمد التغطية على مرور السفن الإيرانية وغيرها المحملة بمختلف أنواع السلاح الحديث بما فيه الصواريخ البالستية التي تستهدف الرياض ومن قبلها استهدفت مكة المكرمة، ثم ليبدأ الحديث في مراكز الدراسات والدوائر الرسمية عن أن الحرب وصلت في اليمن إلى طريق مسدود، وأن الجلوس مع الحوثيين وبمشاركة إيرانية هو المخرج الوحيد من المأزق، فهل هذا السلوك يمكن أن يجد له المراقب تفسيراً؟

مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …