مع الوقت اكتشفت إيران أن تنفيذها المباشر لعمليات شبه عسكرية خارج حدودها لابتزاز الدول الأخرى التي تمر معها في أزمة سياسية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية ومواقف متشددة من الطرف المتضرر والمجتمع الدولي, فضلا عن إلحاق الضرر بسمعتها الدولية, على الرغم من أنها تحقق كسبا مؤقتا في وسطٍ متخلف ينظر إلى تلك العمليات على أنها قدرة خارقة لإيران على تحدي الدول الكبرى. وتطلق إيران على الدول الكبرى اسم دول الاستكبار العالمي، ضمن خديعة كبرى لتضليل الرأي العام الإسلامي بأنها الدولة المعبرة عن طموحاتهم في القضاء على سياسة التغريب والعودة إلى المنابع الصافية للإسلام.
خبرة تاريخية
تحولت إيران وبحكم خبرتها التي اكتسبتها من بقايا وزارة الخارجية من زمن الشاه أو متحولي الولاء من السافاك الذين أعادتهم إلى وظائفهم السابقة، ومن خبرة بعض الدول والأطراف المتحالفة معها مثل النظام السوري وبعض السياسيين اللبنانيين الذين أخذوا بشعارات الخميني، ومنهاج رجال الدين الشيعة في استغفال البسطاء، إلى تشكيل أحزاب ومليشيات في ساحات عربية كالساحة اللبنانية لخصوصيتها العربية والإقليمية والدولية, وجو الديمقراطية المفتوح فيها، ولتتولى تنفيذ المهمات التي تستطيع إنجازها بنجاح, دون أن تتحمل إيران الرسمية شيئا من المساءلة السياسية أو الدبلوماسية أو القانونية.
وربما تبادر وزارة الخارجية في طهران لإبداء الأسف تجاه سقوط ضحايا، وقد تذهب أبعد من ذلك فتستنكر وقوع العمليات، قصد التنصل منها ولكنها في كل بيان لها تذكّر بأن مثل هذه العمليات ما لها أن تحصل لولا الشعور بالظلم الناتج عن دور الولايات المتحدة في العالم، وكأنها تريد أن تؤكد أنها هي الطرف الوحيد الذي يرفض الظلم وتقدر على مواجهة أمريكا، وأنها على الأقل تتعاطف مع القضية التي من أجلها تم تنفيذ عمليات سقط فيها ضحايا، فتعرض نفسها وسيطًا مستقلا للبحث عن حلول مناسبة لأزمات العالم، لكن إيران في الواقع تحرص على ألا يفلت الخيط من يدها، ذلك أن أيا من تلك العمليات ما كان له أن يتم دون أن تعلم بتفاصيلها ودوافعها وتنفيذها.
توظيف القضية الفلسطينية
حرصت إيران وما تزال على توظيف القضية الفلسطينية في تبرير عملياتها الإرهابية، لما لها من مكانة متقدمة في نفوس العرب والمسلمين وخاصة المسجد الأقصى، على الرغم من أنها في الجانب الفقهي في المذهب الجعفري الاثني عشري لا تنظر إلى الأقصى بنفس القدسية التي ينظر إليه سائر المسلمين، فهو مجرد مسجد كسائر المساجد، وليس قيمة استثنائية مقارنة بأي مرقد من مراقد الأئمة الاثني عشر التي تجعلها متقدمة عليه كثيرا، وتشكك في صحة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه (تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)، وبالتالي لن يطول بنا الوقت كي نكتشف أن الغرض سياسي بالدرجة الأولى ولعب على الأوتار النفسية للمواطن العربي من جهة ومن جهة ثانية وهو المهم؛ تأليب العالم على العرب بسبب هذه القضية التي تصورهم إرهابيين بنظر الغرب الذي يؤيد إسرائيل، ومن هنا أيضا نلاحظ أن إيران لم تنشغل بأي ملف من الملفات الخاصة بالمسلمين في أي مكان على الرغم من محنة المسلمين في كثير من الساحات الدولية، مثل أفغانستان البلد المجاور لها الذي تعرض لاحتلالات منذ وصول الخميني إلى السلطة؛ تارة من زعيم المعسكر الاشتراكي؛ الاتحاد السوفيتي, وتارة من زعيمة المعسكر الرأسمالي والشيطان الأكبر؛ الولايات المتحدة.
وربما يقول قائل بأن إيران استغلت الساحة اللبنانية خاصة بسبب وجود المكون الشيعي فيها، وهنا يأتي الرد بأن عرق الهزارة ومعظمهم من الشيعة في إقليم هرات غربي أفغانستان، وعلى حدود إيران الشرقية يقتضي منها أن تهب للوقوف ضد الاحتلالين السوفيتي والأمريكي. على العكس من ذلك أكدت التقارير التي كشفتها مصادر أمريكية أن الولايات المتحدة حصلت على دعم إيران لتسهيل احتلال العراق وأفغانستان، بل إنها وظفت قضية اللاجئين الأفغان الذين شردهم الاحتلالان السوفيتي ثم الأمريكي توظيفا سياسيا ومذهبيا رخيصا وبدأت تساومهم على تغيير مذهبهم وتجندهم في حروبها النظامية وغير النظامية وإلا ألقت بهم على حدود بلدهم ليواجهوا مصيرا مجهولا.
إيران ركزت بخطة دعائية سياسية على القضية الفلسطينية باعتبارها استثمارا سياسيا ناجحا للتمدد على الوطن العربي انطلاقا من العراق والاستحواذ على ثرواته ومن ثم توظيفها في خدمة مشروعها التوسعي وتحويله بقوة السلاح من مصد بشري قوي ضدها، إلى قوة مجندة لصالحها، ومن ثم استكمال شرعيتها الناقصة بالتوجه جنوبا واحتلال أرض الحرمين الشريفين كي تقول بأنها مسيطرة على مهبط الوحي ومدينة رسول الله ثم حاضرة علي بن أبي طالب أي الكوفة وعاصمتي الدولة الأموية دمشق, والدولة العباسية؛ بغداد.
الصراع غير المباشر
نصل إلى لب الاستراتيجية الإيرانية، وهي أن إيران لا تخوض معركة مباشرة مع قوى دولية كبرى لأنها تعرف أن الثمن لن يكون زهيدا في مواجهة غير متكافئة، ومن جهة أخرى تحرص على اختيار الساحة العربية للتحرك فيها لشعور عميق عندها بأن العنصر العربي عندما يسقط، فإنه يسقط سقوطا مدويا بحيث لا يبقي موبقة في القاموس إلا ويرتكبها خاصة إذا استندت إلى تفسير ديني يبررها بل ويجعلها محل فخر ومباهاة، وهنا تستطيع إيران تحقيق عدة أهداف في وقت واحد:
1- إيران لا تمتلك القدرة والشجاعة الكافيتين لتعمل في الواجهة أبدا، لأنها لا تستطيع الدخول في مواجهة مع الدول الكبرى ولا تريد ذلك في أية أزمة مباشرة مع أي من بلدان العالم.
أتقنت إيران تشعبات اللعبة الدولية وما يمكن أن يجره عليها خرقها للقانون الدولي، وكي لا تستثير الرأي العام العالمي وأجهزة الإعلام الدولية ضدها، راحت تجنّد القوى المحلية على هيئة مليشيات ومنظمات أضافت إليها صفات (التحرير) وألبستها شعار الممانعة والمقاومة، وأغدقت عليها المال والسلاح والتدريب، لأنها تعي جيدا أن هذا النوع من الاستثمار سيتحول إلى مشروع مكتفٍ ذاتيا في ميزانيته, وفي مرحلة لاحقة إلى مشروع رابح، كما حصل مع حزب الله اللبناني الذي تحول مع الوقت إلى أكبر تاجر مخدرات في العالم وراعٍ لعمليات الخطف وخاصة لشخصيات سياسية وتجارية أجنبية تنتهي بفديات كبيرة تستقر في نهاية محطتها في خزانة إيران. ولعل أحدث شواهد هذه الصفقات الرابحة عملية إطلاق سراح المختطفين القطريين الذين دفعت بلادهم فدية ذكرت مصادر أنها 600 مليون دولار وذكرت مصادر أخرى أنها 800 مليون، ومثل هذه الإيرادات وفي زمن العقوبات المفروضة على إيران يمكن أن تسد جانبا مهما من مصادر الدخل الحكومي بالعملة الصعبة، وجانبا من احتياجات إيران في مختلف الأغراض، فوجدت إيران ضالتها في المنظمات التي جندتها تحت لافتة المذهبية والولاء لآل البيت الذي لا يتحقق من وجهة نظرها إلا بالتبعية المطلقة للولي الفقيه، بل أجادت دور الوسيط في مشكلة هي اختلقتها عن طريق أدواتها المحلية وهي نفسها التي تضع شروط الحل, والثمن الذي تريد قبضه دون أن تتحمل التبعات السياسية المترتبة على هذا الفعل المدان.
2- تأكيد مشاع كراهية الغرب للعرب وتكريس صورة العربي الإرهابي في الذهن الجمعي في دول الغرب والطرق على مقولة إن العرب هم الإرهابيون وأن مواجهتهم لا يمكن أن تنجح من دون دور إيراني في أي تحالف دولي، لا سيما وأن القضية الفلسطينية ستكون شعارا لكل عملية يتم تنفيذها وسرعان ما تأخذ صفة “إرهابية”، واستماتت طهران في تعميق الشعور بالإسلاموفوبيا في العالم وأن الإرهاب ينحصر عند السنة فقط استنادا إلى مقولة إن الفقه الشيعي يعطل فرض الجهاد في زمن غيبة الإمام المهدي.
الزعامة الإيرانية عندما كانت تتحرك بواسطة أدواتها في لبنان، كانت حريصة على أن تكون انعكاسات هذا السلوك على العرب حصرا، في حين أنها هي التي تكسب من وراء جدار، كل المغانم السياسة والمكاسب المالية من أية عملية “إرهابية عربية” فتحصل على الأموال والتنازلات السياسية عن طريق المنظمات التي تنفذها لمصلحة إيران حصرا ونيابة عنها، وحيثما كانت إيران تمر باحتقان سياسي في قضية أو أزمة مع الغرب، فإنها تكلف حزب الله اللبناني لتنفيذ عملية اختطاف أو قتل لصالح الطرف الذي تريد منه إيران تنازلات وهنا تدخل السفارة الإيرانية مباشرة أو عبر وسطاء كوسيط لحل الأزمة والتي لا تنتهي إلا بحصول إيران على ثمن ما.
منذ وصول الخميني للسلطة وجد أن أفضل لعبة له هي توظيف القضية الفلسطينية كجسر لمشروعه في نشر ولاية الفقيه، ففلسطين هي السلعة الأكثر استقطابا لمشاعر الشباب العرب المتحمسين والذين يشعرون بمأساة الشعب الفلسطيني والذين قضوا عمرهم وهم يسمعون أناشيد التحرير والعودة ولكنهم لا يلمسون من الناحية الفعلية شيئا على الأرض، مما ضاعف من خيبة أملهم في النظام الرسمي العربي وشعاراته التي وجدوها مجرد أوهام ومخدر، ولهذا نظروا للشعارات الثورية التي أخذت ترتفع في طهران عاليا وكأنها الترياق الذي سينتشلهم من حالة التردي التي وصلوا إليها، فاندفعوا متحمسين مع أية عملية مضادة لإسرائيل أو الدول الغربية الداعمة لها وخاصة الولايات المتحدة، واعتبروها التعبير الأكثر تطابقا مع ما يؤمنون به من قناعات سياسية وفكرية حتى لو جاءت من قوى خفية.
سياسة دعم الأضداد
تاريخ إيراني حافل ومزدحم بصنع المنظمات الإرهابية أو تشجيع الموجود منها حتى في حال وجود تناقض بين التوجهات الفكرية للطرفين، فإيران تجيد فن دعم الأضداد، ماليا وتسليحيا وتدريبيا وبتوفير المظلة السياسية والأمنية لها إذا اقتضت الضرورة، حتى صارت أرقاما مؤثرة في أوضاع البلد التي تتواجد فيها، على الرغم من أن الحكومة الإيرانية تتعامل مع مثيلاتها من حركات تطالب بحقوقها السياسية بوحشية تفوق الوصف.
إلا أن المنظمات الظاهرة على السطح، ليست الوحيدة التي تحظى بالدعم الإيراني، فهناك منظمات أخرى تسعى لتقديم خدمة للمشروع الإيراني بطريقة أكثر نضجا وذلك عن طريق خطاب متوازن في حديثها عن السياسة الإيرانية فتارة تنتقد ولكن على استحياء وتارة تغالي في تأييدها لإيران على نحو يتجاوز ما تفعله قوى إيرانية محسوبة على الولي الفقيه.
مثال حزب الدعوة العراقي
تتهم أوساط سياسية شيعية متنفذة في إيران، حزب الدعوة بأنه صنيعة الشاه السابق رضا بهلوي على الرغم من أن الشاه كان يتبنى خطابا تحديثيا وليس خطابا دينيا، لكنه في واقع الحال كان يعتبر نفسه مدافعا عن حقوق الشيعة السياسية والاجتماعية في كل مكان بل وممثلا لهم أمام حكوماتهم، وانعكس هذا التصور على ما كان يحمله الخميني بعد وصوله للسلطة في 11 شباط/ فبرابر 1979، على قيادات حزب الدعوة من احتقار وازدراء وضغينة رافقته منذ تأسيس الحزب وحصول التصادم الفكري بين الطرفين، لأنه ناصب كل المؤسسات التي تولدت في عهد الشاه داخل إيران وخارجها أو بأمره عداء لا مزيد عليه، فضلا عن شعور الخميني بأن الحزب ومرجعية محسن الحكيم ناصباه العداء أثناء وجوده في النجف لاجئا، وانعكس هذا الأمر على العلاقة بين مؤسسات الدولة الإيرانية وكوادر الدعوة الذين اتخذوا من إيران مقرا لأنشطتهم الإرهابية ضد العراق بعد وصول الخميني للسلطة.
ربما تعقدّت حياة قيادات حزب الدعوة في إيران نتيجة انعكاس توجهات الخميني على تعامل أجهزة الدولة والأمن والحرس الثوري من الحزب الذي كان ينظر إليه الإيرانيون على أنه شبيه بحزب الشاه (رستاخيز)، ففضل كثير من قيادات الدعوة ترك إيران والتوجه لدمشق والعيش على ما تدره عليه أعمالهم في مجالات التهريب والجوازات المزورة والمهن العادية في حي السيدة زينب كما فعل نوري المالكي، في حين فضل البعض الآخر العيش في أوربا كما فعل إبراهيم الجعفري وموفق الربيعي وعاشوا على الاعانات المالية التي تصلهم من حكومات البلدان التي يقيمون فيها وما زالوا يحتفظون بجنسياتها.
أما الحديث عن عروبة توجهات حزب الدعوة ورفضه لولاية الفقيه فما هي إلا محاولة للزعم بتميزه فكريا وسياسيا عن إيران، فإيران هي التي رفضت حزب الدعوة وليس العكس واستبعدته عن المشاركة في صنع القرار ولكنها مدّت له الأيدي وفتحت له أبوابها بعد أن وجدت أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لم يتمكن من تحشيد التأييد اللازم مما اضطره عام 2007 إلى الإعلان عن تغيير مرجعيته من الخميني إلى شخصية دينية أخرى وتوقفه عن الإيمان بولاية الفقيه.
الخميني وإن لم يخلع رداء احتقار حزب الدعوة في داخل نفسه، إلا أنه وجد في النهاية أن الحزب وبصرف النظر عن حجم انتشاره في الساحة العراقية، مرتزق رخيص التكاليف ويستطيع تجنيده لخدمة مشروع ولاية الفقيه.
ورأى الخميني في النهاية أن استمرار تجنيد حزب الدعوة لخدمة أهدافه في ما يسمى بتصدير الثورة أهم بكثير من الالتفات إلى الوراء، وإذا كان هذا الحزب من انتاج الشاه، فإن خلاف الخميني مع الشاه يتعلق بسياسات الأخير في الداخل بالدرجة الأولى، خاصة وأن الحزب أثبت بالتجربة القاطعة والدلائل الميدانية أنه مخلص ووفي في تبعيته لإيران من دون أن يسأل عن هوية الحاكم فيها أو توجهاته السياسية والفكرية.
لهذا فقد نصح مستشارو الخميني سيدهم بأن يمنح حزب الدعوة فرصة أخرى ويضعه في اختبار الولاء لاسيما وأن شعار تصدير الثورة بحاجة إلى أدوات محلية أكثر من حاجته إلى جيوش إيرانية جرارة لاسيما وأن الخميني وجه ضربة لجنرالات الجيش الإيراني بعد وصوله إلى السلطة، ولم يسمح لضابط يحمل أكثر من رتبه عقيد بالاستمرار في الخدمة، بل إنه ذهب بعيدا في هذا التوجه، ومنح رتبا أعلى لضباط استشرف فيهم الولاء لنظامه الجديد كولائهم لحكم الشاه، إذ أنهم ضباط مهنيون وضعوا خدمة المشروع الإيراني نصب أعينهم من دون أن يسألوا عن العقيدة السياسية والدينية للحاكم في طهران، وظن الخميني أنه مع الوقت يستطيع تغيير قناعات الضباط الذين أبقاهم في الخدمة وتحويل ولائهم كتسديد فاتورة مقابل الحفاظ على حياتهم أو إبقائهم في الخدمة.
أنعش وصول الخميني للسلطة آمال الحركات الشيعية في تحقيق أهدافها نتيجة دخول قوة لم تكن بالحسبان، بعد وصول ظهير قوي إلى السلطة إلى البلد الوحيد في العالم الذي يجاهر بأنه يحتكر تمثيل الشيعة في العالم، لا يتردد في تقديم الدعم لها من أن يقيم وزنا لأهم مبدأ من مبادي القانون الدولي وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واعتبره مبدأ من مبادئ القوانين الصليبية أي التي وضعها العالم الغربي، وبهذا التبني لحزب الدعوة يمكن تأكيد أن إيران تظل على تمسكها برعاية كل الولادات التي ترعاها من قبل أي حاكم من حكامها وإذا ما جاء النقيض فسرعان ما يكيف نفسه مع الحالة ويمنح المولود نفس الرعاية الأبوية بل رعاية الأمومة، على خلاف ما هو سائد في البلاد العربية إذ أن المزاج السياسي يلعب بأعصاب مشدودة مع الحركات والتنظيمات السياسية.
منذ وصول الخميني إلى السلطة، بل حتى قبل ذلك أصبحت عمليات الخطف، وظيفة سياسية مهمة في قاموس ولاية الفقيه، تضع لها الخطط والإمكانات من أجل نجاحها ولعل أول ما يؤشر على سلوك النظام الجديد مع الآخر هو ما نفذه من يسمون أنفسهم بالطلبة المؤمنين بخط الإمام في هجومهم على سفارة الولايات المتحدة واحتجاز 52 رهينة لمدة 444 يوما من 4 نوفمبر 1979 حتي 20 يناير 1981، بعد توقيع اتفاقية الجزائر التي أطلقت الأموال الإيرانية في أمريكا التي كانت قد حجزتها بعد سقوط الشاه.
وكانت العاصمة اللبنانية المكان المفضل لإيران لتنفيذ خططها في هذا المجال، وذلك لأن أية عملية هناك ستكون الخبر الأول على مستوى الإعلام الإقليمي والدولي، وثانيا لوجود شخصيات مهمة تستحق المجازفة، ولأن الساحة اللبنانية صارت بحيرة تسبح فيها أسماك القرش الإيرانية والموالية، وهنا يجب أن نثبت حقيقة أن العمليات الانتحارية لم تكن اختراعا سنيا كما تصور إيران وأجهزة الدعاية المسخرة لخدمتها، ولكنْ ومن قبيل تثبيت الحقائق نرجع إلى أربعة أحداث إرهابية رئيسة وخطيرة في آثارها وتأثيراتها تؤكد أنّ منهج العمليات الانتحارية بالسيارات المفخخة لم يكن من ابتكارات تنظيم القاعدة في بداياته، وإنْ كانت القاعدة قد أخذت به لاحقا وتوسعت باعتماده، وإنّما كان من ابتداع قوى وتشكيلات شبه عسكرية مرتبطة بإيران وحصرا بأحد المكاتب المرتبطة بمكتب العمليات الخارجية في الحرس الثوري والذي يطلق عليه اسم مكتب حركات التحرر.
وأول هذه العمليات، تلك التي استهدفت مبنى السفارة العراقية في بيروت في 18 ديسمبر عام 1981 إذ اندفعت شاحنة محمّلة بالمتفجرات يقودها انتحاري من حزب الدعوة هو “أبو مريم الكرادي” الذي يعتبره حزب الدعوة “أول استشهادي إسلامي في التاريخ الحديث” نحو المبنى الرئيس للسفارة، مما أدى إلى انهياره بالكامل على من فيه، وقد خطط للعملية “جواد” الذي عرفناه فيما بعد باسم نوري المالكي وتسلم منصب رئاسة الوزراء بعد إبراهيم الجعفري. كان المالكي في تلك الفترة يشغل موقع “مسؤول العمليات الجهادية في حزب الدعوة” وتمت تحضيرات العملية من قبل المخابرات السورية مع منظمة أمل اللبنانية.
وكانت الساحة اللبنانية البداية بالنسبة لتدخل إيران في مجال الخطف الخارجي حيث تم في العام 1982 اختطاف (96) أجنبياً بينهم (25) أمريكياً فيما يعرف بأزمة الرهائن التي استمرت 10 سنوات ولم يتم إطلاق سراحهم إلا بعد عزل العراق بموجب سلة غير مسبوقة من قرارات مجلس الأمن الدولي بسبب دخوله الكويت، وعقد صفقات سياسية ومالية وعملياتية.
مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات