لم أستغرب مواقف شيخ الأزهر المتناقضة وطبيعة تحركاته الغريبة، وصمته المريب على انتهاك حرمات المسلمين ليس في مصر وحدها، والسكوت على الإساءات المتعمدة للإسلام من قبل حكامٍ مسلمين، فضلاً عن الغرب، وإذا تكلم اصطبغت كلماته بنوعٍ من الانبطاح المشين أمام النموذج الحضاري الغربي الصهيوني، ذلك أن نتيجة أفعال الرجل لا تخدم الإسلام بحال من الأحوال وإن زعم، رغم أنه من المفترض أن يكون أحرص الناس على حماية ثغور الإسلام شريعةً وعقيدة.. وقد كشفت زيارة الشيخ الأخيرة لدولة الشيشان لحضور مؤتمر تحت عنوان “من هم أهل السنة والجماعة؟”، كشفت وجهاً آخر لشيخ الأزهر أراد من خلاله تمرير أفكار دخيلة على الإسلام.
تعريف بأهل السنة والجماعة أم تشويه للإسلام؟
الواضح من طبيعة المؤتمر أنه ليس اسماً على مسمى كما هو ظاهر، بعدما اقتصر على تعريفه لأهل السنة والجماعة على “الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث”. ذلك أن المؤتمرين دشنوا للتبشير بدين جديد وديع ومهادن، يرسخ (للدروشة) ويوالي الاستبداد ويقتسم معه كعكة شعوب المنطقة، دين مائع يستبعد الجهاد والمقاومة، ويكرس للتبعية، يقوم على تبييض وجه الصوفية (الموالية للحكام) والغارقة فيما لا ينفع المسلمين من الفرعيات، كمنهج يجب أن يحكم ويسود، لاسيما في ظل الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة.
حقيقة الدور الاماراتي
المثير في الأمر أيضاً هو موقف دولة الامارات وطبيعة دورها الذي بات مكشوفاً بشكل فج في استهداف كل ما هو إسلامي (سني) بطبيعة الحال، حيث أعلنت مؤسسة “طابة” الصوفية ومقرها أبو ظبي، ومؤسسها الصوفي اليمني؛ الحبيب علي الجفري، أنها هي التي نظمت مؤتمر “من هم أهل السنة والجماعة؟” الذي حظي بانتقاد واسع النطاق من علماء بارزين في العالم الإسلامي، وقالت المؤسسة في بيان لها على موقعها الالكتروني، إنها تشرّفت بتعاونها مع صندوق الحاج أحمد قديروف الخيري، ومؤسسة دعم الثقافة الإسلامية والعلم والتعليم، في تنظيم انعقاد المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين تحت عنوان “من هم أهل السنة والجماعة؟”، حيث أن دعوة شيخ الأزهر كان بصفته رئيسا لمجلس حكماء المسلمين الذى شكلته وترعاه دولة الإمارات العربية.
أصابع روسيا في المؤتمر
وبحسب البيان، فإن انعقاد المؤتمر يأتي في وقت تشتد فيه فتن كثيرة تعصف بالأمّة وفي ظل محاولات اختطاف لقب “أهل السنة والجماعة”، من طوائف من خوارج العصر والمارقين والعابثين بالشريعة المطهّرة الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي، وأضاف أن المؤتمر عقد “بحضور فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وجمع من المفتين، وأكثر من مئتي عالم من علماء المسلمين من أنحاء العالم، تحت رعاية كريمة من فخامة الرئيس الشيشاني رمضان أحمد قديروف حفظه الله” ، وتجدر الإشارة هنا أن الرئيس الشيشاني معروف بموالاته لروسيا, بعدائها التاريخي للتيار السلفي عامةً، والجهادي خاصةً، وتجربتها المؤلمة في أفغانستان، جرائمها في الشيشان ذاتها, وهنا يكمن المعني في بطن المؤتمر، فضلاً عن تدخلها المشين في سوريا، والتطلع لدور استعماري امبراطوري في المنطقة.
هل تتآمر دولة الامارات على شقيقتها السعودية؟!
صار اللعب الآن على المكشوف، فلم تعد دولة الامارات تخفي وجهها في التآمر على الإسلام (السُنّي) الذي تنتسب له من ناحية ، والكيد لشقيقتها الكبرى؛ المملكة العربية السعودية باستبعاد التيار السلفي من دائرة أهل السنة والجماعة من ناحية أخرى، فضلا عن استبعاد تيار الإخوان المسلمين من حظيرة أهل السنة والجماعة على خلفية الصراع السياسي الذي يستهدف استئصال الجماعة وإبادتها بقيادة مصر بالتعاون مع دول الخليج، لاسيما دولة الإمارات التي تشن حرباً ضارية ضد ما يسمى جماعات الإسلام السياسي في المنطقة وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين.
لكن أن يتم استهداف الدولة السعودية في هويتها الدينية الراسخة، من حليف وشقيقة صغرى عضو في مجلس التعاون الخليجي، فهذا ما يثير ألف علامة استفهام على أهداف حكام الإمارات من هذه الفتنة باستبعاد علماء المملكة من حضور المؤتمر، بحكم أنها أكبر دولة في المنطقة، ليس اقتصادياً فحسب، بل بثقلها الديني باحتضانها الحرمين الشريفين، إلا إذا كانت الامارات تدرك تماماً أن هذا المؤتمر الذي مولته، لا يخدم مصالح الإسلام أو المسلمين.
علاقة السيسي بالمؤتمر وحقيقة التنسيق مع شيخ الأزهر
أخطر ما في الموضوع بنظري هو موقع عبد الفتاح السيسي من الإعراب فيما يتعلق بالأمر، أو بمعنى أصح، دور نظام السيسي في الترتيب للمؤتمر، وهل تم بعلم وتنسيق مسبق مع شيخ الأزهر؟ إذا أخذنا في الاعتبار سفر الإمام الأكبر دون علم أو استشارة هيئة كبار العلماء (أعلى مرجعية علمية تمثل الأزهر الشريف) ومجمع البحوث الإسلامية، فضلاً عن اختيار شخصيات معروفة بقربها وموالاتها تماماً لنظام السيسي للحضور في المؤتمر، أمثال الصوفي اليمني الحبيب على الجفري والمفتي الأسبق على جمعة ود.أحمد كريمة، وأخيراً أسامة الأزهري المستشار الديني للسيسي، ورئيس اللجنة الدينية ببرلمانه.
الأمرالذي يثير مزيداً من الشكوك حول علاقة السيسي شخصياً بمؤتمر الفتنة سواء بمباركة أهدافه على أقل تقدير، أو بالتنسيق والإعداد له مع الجانب الاماراتي، حيث أن للشيخ الطيب سوابق قريبة تتطابق مع توجهات السلطة، وزيارته الأخيرة للفاتيكان نموذج فج لهذا التماهي مع السلطة، تحقيقاً لمصالحها وليس مصالح المسلمين، وهنا يطرأ سؤال يفرض نفسه على الحالة إذا سلمنا بصحة شكوكنا، وهو هل تعمد السيسي بهذا السلوك مناكفة السعودية لمواقفها المتحفظة الأخيرة تجاه الدعم المالي لخزينة السيسي الخاوية؟، ومن ثم ابتزازها دون الظهور مباشرة في صدارة المشهد ليحل محله شيخ الأزهر بمكانته وقيمته الدينية والعلمية في قلوب المسلمين (أوهكذا المفترض)، ويتم الغمز واللمز في منهج المملكة السلفي (الوهابي) الذي تأسست الدولة بموجبه، انطلاقاً من عقيدة أهل السنة والجماعة الحقيقية التي يدين بها عموم المسلمين السُنّة في شتى بقاع الأرض.
لماذا تتغاضي السعودية عن سلوك الامارات بحقها؟
المسكوت عنه أيضاً في فتنة مؤتمر” أهل السنة والجماعة “، أن النخبة السعودية من علماء دين وكتاب ونشطاء، صبوا جام غضبهم على شيخ الأزهر حتى طال الغضب نظام السيسي نفسه، وهم محقون بلاشك، لكن أن يتغافلوا جميعاً عن صاحب الدعوة والراعي الرسمي والممول الاماراتي للمؤتمر، أو لا نسمع لهم كلمة واحدة تدين الشقيقة والجارة والحليف “الامارات”، فهذا ما لا نفهمه ولا نستطيع أن نبتلعه، لاسيما وأن هذه ليست أول مرة تسييء فيها الإمارت للسعودية، ولنا في الحالة اليمنية النموذج الأمثل للعلاقة المريبة مع جماعة الحوثي والمخلوع علي عبد الله صالح، وإيواءها نجله على أراضيها، بما يهدد المصالح السعودية في الصميم.
فما الذي تخفيه الدولة السعودية فيما يخص علاقتها مع الامارات؟، ولماذا تتغاضى عن سلوكها ضد مصالح المملكة في أكثر من موقف؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات