رضا حمودة يكتب: تركيا في مواجهة هجمة صليبية أوروبية قبل استفتاء القرن

تركيا في مواجهة انقلاب أوروبي بعد أزمة رفض ألمانيا إقامة مؤتمرات لوزراء أتراك للجالية التركية في ألمانيا، ومنع هولندا هبوط طائرة وزير الخارجية التركي في مطار روتردام، ثم ترحيل وزيرة الأسرة التركية فاطمة بتول صيان قايا, وذلك على خلفية الحملة الدعائية التي يقودها حزب العدالة والتنمية الحاكم للتصويت بنعم على التعديلات الدستورية المزمعة (التي أسميها استفتاء القرن) بعد أسابيع للتدشين لنظام رئاسي سيكون له ما بعده على مستقبل تركيا وأوروبا التي لم تنسَ أبدا أنها نادٍ مسيحي لن يسمح لتركيا الإسلامية إلا أن تكون تابعاً له وليس شريكاً له، الأمر الذي تسبب في حرب كلامية بين الجانبين وصعدت تركيا على أعلى مستوى من حدة لهجتها تجاه إجراءات أوروبا, وردت بأكثر من المثل ومنعت عودة السفير الهولندي لأنقرة وفرضت عقوبات على هولندا لتثبت أنها دولة تملك قرارها وترفض التبعية لأي جهة.

ارهاصات انقلاب يوليه الفاشل تخيم على المشهد

تركيا تعيش الآن أجواء انقلاب 15يوليه 2016 الفاشل الذي فضح أعداء تركيا الجديدة، لاسيما أوروبا وأذنابها من العلمانيين والليبراليين العرب (إجمالاً وليس تعميماً) والتي أظهرت شماتة واضحة في حزب الرئيس أردوغان وسعادة مكتومة في الساعات الأولى للانقلاب الفاشل ظناً بأن ذلك الانقلاب في طريقه للنجاح إيذاناً بنهاية أسطورة أردوغان المزعجة إلى الأبد، ورغم ذلك من الخطأ والسذاجة بمكان الاعتقاد بأن مؤامرات الانقلاب على تركيا قد انتهت، ذلك أن ماحدث مجرد جولة من جولات التآمر على هوية الأمة التركية الإسلامية منذ قرون طويلة والتي ظنوا أنها تميعت وانسلخت بفعل عوامل العلمنة والصهينة والإباحية، إلى أن جاءهم أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية ليعلنوا تصالحهم مع هويتهم وإحياء تراثهم، فكلما استقلت تركيا، اشتد التربص بها وحامت المؤامرات حولها بغرض حصارها وإعادتها للحظيرة الأوروبية.

لماذا التصعيد الهولندي بالذات الآن؟

قالت وزيرة الأسرة التركية فاطمة بتول الأحد 12 مارس الجاري إن “المعاملة اللإنسانية التى تعرضنا لها فى هولندا أمر لا يمكن قبوله وقد رأى العالم كيف اعتدت علينا السلطات الهولندية”، وهو ما يفضح ازدواجية هولندا وأوروبا عموماً فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان والحريات التي تحمل لواءها في العلن بينما تدوس على كل قيم التسامح الزائفة التي لطالما تغنت بها، نكاية في كل ما هو إسلامي، أو ما يتعارض مع أيديولوجيتها المسيحية الاقصائية، ذلك أن هولندا على وجه التحديد مقبلة اليوم؛ 15 من شهر مارس الجاري أي قبل 4 أيام فقط من اندلاع الأزمة مع تركيا على الانتخابات البرلمانية، حيث يشهد اليمين المسيحي المتطرف الذي يتزعمه المتطرف ” خِيرت فيلدرز “، تقدماً لافتاً, ويكفيك أن تقرأ مقولاته التي لا تنمّ إلا عن عقلية متطرفة وكأنه يتحدث بلسان حال أزمنة الحروب الصليبية في العصور الوسطى كي تعرف دواخل نفسه، فقد قال منذ أكثر من عام: “دولة إسلامية مثل تركيا لا يمكن أن تكون جزءًا من أوروبا” .. “إن كل القيم التي تدافع عنها أوروبا مثل الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان غير منسجمة مع الإسلام” .. “ولا نريد أيضاً أن يقوم الأتراك بالسفر إلى أوروبا دون تأشيرة” .. “الشعب لن يصوت لحكومات تقبل بهذا وسوف يقوم بعزلها من وظائفها” .. “تركيا صوتت لأردوغان الإسلامي الخطير الذي يحمل راية الإسلام” .. “لا نريد إسلامًا أكثر نريده أن يقل” .. “لذلك ابتعدي عنا يا تركيا فأنتِ غير مرحب بك هنا”.. هذا كلام المتطرف ” فيلدز”.

أوروبا تسقط في الامتحان

بدا واضحاً الآن أن أوروبا الحرة (وقد انضمت السويد والدنمارك وسويسرا وبولندا والنمسا إلى ألمانيا وهولندا) تمارس الكيل بأكثر من مكيال فيما يخص ملفي الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومع تنامي المد الشعبوي اليميني الذي يجتاح أوروبا، لا نستطيع أن نجعل من أوروبا النموذج الأمثل للديمقراطية والحريات التي انقلبت عليها، ليس فقط بعد الهجمة الشرسة التي تقودها على مسار الديمقراطية التركية (ليست على مزاجهم)، وإنما على كافة ملفاتها الخارجية  لاسيما شعوب المشرق العربي والإسلامي، ذلك أن من يتابع الدعم الأوربي لطواغيت المنطقة اقتصادياً وسياسياً(بشار الأسد والسيسي وحفتر النماذج الأكثر فجاجة)، يدرك كيف أن أوروبا تتحرك انطلاقاً من مصالحها ككيان أوروبي فقط لاتهمه الديمقراطية أو حقوق الإنسان من قريب أو بعيد خارج حدودها، فالديمقراطية صُنعت لشعوب أوروبا والغرب فقط ولن تروق لها سوى الديمقراطية التي تأتي بمن يضمن مصالحها، في الوقت الذي تقوم بتصدير قيم الخلاعة والإباحية والإلحاد والشذوذ لشعوبنا الإسلامية، وتُظهر غضبها واحتجاجها فقط إذا ما تم التضييق على أنشطة العلمانيين والملحدين والشواذ، بينما لا ترى غضاضة في التعامل مع الانقلابيين وتجار الثورات المضادة، بل تقوم بتبييض وجوههم والتغاضي عن جرائمهم.

وعي الشعب التركي

الشعب التركي يقاوم انقلابا أوروبيا غربيا صهيونيا كشف عن وجهه القبيح تجاه كل ما إسلامي، ومن مظاهر المقاومة؛ مظاهرات الأتراك أمام القنصلية الهولندية في اسطنبول ونزع العلم الهولندي، ورفع العلم التركي فوق القنصلية، بل وتغني الأتراك بالأغاني العثمانية القديمة في رسالة واضحة الدلالة يوجهها الشعب التركي للخارج بأنه لم ولن يتنكر لهويته ولإرثه الحضاري، وأنه يقف مع قيادته، وكما أفشل انقلاب يوليه من العام الماضي، فإنه يستطيع بوعيه إفشال أي انقلاب في المستقبل، بيد أن ثمة عنصراً إيجابياً على خلفية الأزمة التركية الأوروبية، فقد تلقت تركيا هدية أوروبية دون تخطيط أو تكلفة تكمن في اكتساب حزب العدالة والتنمية الحاكم نقطة اضافية مهمة وميزة تدفع المزيد من الأتراك للتصويت بأغلبية لصالح التعديلات الدستورية لاسيما الجالية التركية في أوروبا خاصة في ألمانيا، فقد ارتفعت شعبية أردوغان وحزبه أكثر نتيجة حماقة الأوروبيين وبعد التضييق الممنهج على أنشطة الحزب الحاكم في أوروبا، والذي يثبت للأتراك أن حكومتهم المنتخبة تسير في الطريق الصحيح لتصبح أكثر قوة ليس على المستوى الاقليمي وحسب، بل على المستوى الدولى أيضاً لاسيما على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

 

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …