رضا حمودة يكتب: نقابة الصحفيين تدفع ثمن انبطاحها

في البداية, واتساقاً مع المباديء, أدين الهجمة البربرية على نقابة الصحفيين، لكن لابد من تقييم الحالة الصحفية تقييماً نزيهاً ينتصر للحق والمبدأ، ويتجاوز الأيديولوجيات والانتماءات أو الحزبية.

فلم نسمع حتى الآن من الصحفيين الأشاوس من أبناء صاحبة الجلالة من يقول (يسقط حكم العسكر) أو (ارحل ) على فضيحة اقتحام نقابة الصحفيين واعتقال عمرو بدر ومحمود السقا!.. قالوها أيام مرسي اعتراضاً على حبس الصحفي “إسلام عفيفي”؛ رئيس تحرير صحيفة “الدستور” وقد أصدر الرئيس قانونًا بعدم جواز حبس الصحفي في قضايا النشر، لكن ذلك قُوبل بالجحود ، بل زادوا في إساءاتهم وتجاوزاتهم بحق الرئيس وجماعة الاخوان والإسلاميين عامةً.

شربوا من نفس الكأس جزاء دعمهم الطاغية، وسيستبيح حرماتهم وحرياتهم لأنهم صمتوا صمت القبور أو فوضوا على القتل وحرضوا على زملائهم من الصحفيين الآخرين الذين يموتون كل يوم في المعتقلات وأقبية الشرطة، بعد أن امتطهم السلطة واستخدمت نقابتهم (برموزها المرتمين دائماً في حضن الحاكم) في تزييف الوعي الجمعي للشعب. عندما ارتضيتم اغتصاب السلطة تحت مسمى الثورة حفاظاً على مصالحكم الشخصية، وأقر كبراؤكم حملات القمع والتشريد والتنكيل بحق زملاءكم التي تألمون من بعضها الآن، على الرغم من أن هناك صحفيين كُثُر دافعوا ومازالوا يدافعون عن المقهورين والمظلومين، وهؤلاء هم من يدفعون الثمن من أمنهم الوظيفي وحريتهم الشخصية.

انتفاض الصحفيين الآن ماهو إلا تعبير عن غضب شخصي يتعلق بحريتهم من وجهة نظري, وأستثني هنا بعض الثابتين على جمر معارضة الانقلاب، وإلا فلماذا سكتوا (إلا قليلا) قرابة ثلاث سنوات من قمع المواطن؛ من الموظف والطبيب والمعلم والعامل والفلاح والطالب؟َ، فالمفترض أن تمثل نقابة الرأي نبض كل هؤلاء, وصوت من لا صوت له, ولماذا لم ينتفضوا عندما اعتقل رئيسهم أكثر من ثلاثين صحفياً، فضلاً عن المختفين قسرياً، تهمتهم الوحيدة أنهم في غالبيتهم (اخوان أو إسلاميون), عارضوا النظام لأنه انقلب على إرادتهم الشعبية؟. غضبكم بارد ومتأخر جدا، ولم يعبر سوى عن مصلحة حفنة من أتباع السلطة إلا من رحم الله من المخلصين.

نقابة الصحفيين التي لم تغضب في بيان واحد لمذبحة القرن (رابعة والنهضة)، أو للمساجد التي انتهكت حرمتها، لن تقنعنا بغضبها الشخصي ولتيار فكري واحد، ذلك أن الحرية كما المباديء لا تتجزأ ولا تقبل القسمة على إثنين.

هؤلاء الذين يجأرون بالشكوى الآن لم تتحرك نخوتهم أو ضمائرهم، أو حتى من باب الحرص على الذوق العام،عندما كانت تعج مانشيتات صحف المال الحرام بأقبح العبارات والأوصاف بحق الرئيس محمد مرسى وجماعة الاخوان المسلمين .. من عينة (زمن الكلاب) بصحيفة فيتو، و(الفاشي في قصر الرئاسة) صحيفة الفجر، و(الرئيس..الفضيحة) في صحيفة الموجز.  وبعد الانقلاب لم يسلم الاخوان من الاهانة والتجني في صحيفة ” الأخبار ” الرسمية التي يدفع المواطن البسيط رواتب موظفيها، بمانشيت غاية في الانحطاط (المرشد..”اتفتق”) تعليقاً على عملية فتاق أجراها مرشد الاخوان في محبسه الجائر.

مشكلة القائمين على نقابة الصحفيين بنظري أن خلافها مع نظام السيسي”هامشي” وليس أخلاقياً, أو بمعنى أصح خلاف على الفروع وليس على الأصول، أي أنها على استعداد لكبح جماح غضبها ووقف تصعيدها في مقابل الافراج عن الصحفيين” بدر والسقا ” واقالة وزير الداخلية، فالمشكلة ليست من وجهة نظر نقابة الرأي في شرعية النظام ولا بنيانه الباطل، لذا من السذاجة أن يكون الحل في إقالة وزير، لأن أصل المشكلة في انقلاب السيسي نفسه وسياساته وليس في وزراءه الذين ينفذون تلك السياسات بالأمر، لذا كان توصيف صحيفة ” وول ستريت جورنال ” الأمريكية أقرب إلى الواقع حين قالت ” قمع الصحفيين بأمر من السيسي” ، وعليه تصبح المطالبة بإقالة وزير الداخلية بمثابة تبرئة للسيسي واعتراف بشرعيته.

نقابة الصحفيين ليست الكعبة المشرفة أو قدس الأقداس.. دم الانسان أعز عند الله من الكعبة ومن ألف نقابة، الإنسان مهما كان موقعه أو وظيفته هو لب القضية وأصل الحكاية، والمعركة معركة وطن يُراد لأبنائه أن يعيشوا كالدواب وليس الصحفيون وحدهم.

أخطر ما في الأمر – بنظري – اختصاره في الصحفيين, ما يعد إهانة للشعب الذي يدفع كل يوم أثماناً باهظة من دمائه وكرامته، وكان الأولى الانتفاض للشعب كله عندما سقطت أول قطرة دم حتى لا نصل إلى هذا الوضع المزري، فالسكوت والتواطؤ جر على الصحفيين (وأقصد النقابة التي تديرها حفنة من العلمانيين واليساريين والناصريين) أن يشربوا من نفس كأس القهر والقمع الذي عانى منه غيرهم.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …