رمضان .. مغفرة واستغفار وتغافر (2)

التغافر ثمرة الطاعة في رمضان

روى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم الملائكة فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي المحروم من حرم فيه رحمة الله عز وجل) .

وفي هذا الجو الإيماني الرائع والفريد يستشعر الصائمون القائمون الذاكرون, ذنوبهم ومعاصيهم فيتغافرون عن خطايا غيرهم, طمعًا في غفران الله لهم عن ذنوبهم.

رمضان يحث على التغافر والعفو والصفح: في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قالرسول صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى: كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ. والصِّيامُ جُنَّةٌ فإِذا كان يومُ صومِ أحدِكم فَلاَ يرفُثْ ولا يصْخَبْ فإِنْ سابَّهُ أَحدٌ أو قَاتله فَليقُلْ إِني صائِمٌ، والَّذِي نَفْسُ محمدٍ بِيَدهِ لخَلُوفُ فمِ الصَّائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسك، لِلصائمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهما؛ إِذَا أفْطَرَ فرحَ بِفطْرهِ، وإِذَا لَقِي ربَّه فرح بصومِهِ.

القرآن الكريم يدعو إلى التغافر والعفو والصفح:  يقول الإمام ابن القيم: يا ابن ادم .. إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لا يعلمها إلا هو, فإذا أحببت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده, وأن أحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده, فإنما الجزاء من جنس العمل.

 قال تعالى: ( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التغابن:14 .

وقال سبحانه: ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الجاثية :14 .

 وقال (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) النور22.

 التغافر من أخلاق السلف: ومن الأمثلة الراقية عن التغافر لدى السلف الصالح:

  1. روي أن صديقا حدث له ما يغضبه من ابن السماك فقال له: الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب, فرد عليه ابن السماك رحمه الله تعالى بأبلغ جواب قال: بل بيني وبينك غدًا نتغافر.
  2. روى ميمون بن مهران أن جارية له جاءت بمرقة، فعثرت فصبّت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: “يا مولاي, استعمل قول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ}، فقال: “قد فعلت”، فقالت: “اعمل بما بعده”: {والعافين عن الناس}، قال: “قد عفوت”، فقالت: “اعمل بما بعده” {والله يحب المحسنين} (آل عمران:134)، فقال ميمون: “أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى.
  3. دخل عمر بن عبد العزيز المسجدَ في ليلةٍ مظلمة، فمرَّ برجل نائم فعَثَر به، فرفع الرجلُ رأسَه وقال: أمجنونٌ أنت؟ (وما علم أنَّه أمير المؤمنين)، فقال عمر: لا، فهمَّ به الحرس، فقال عمر: مَهْ، إنَّما سألني أمجنون؟ فقلت: لا.

من ثمرات التغافر

 الستر وعدم الإشاعة: التغافر وسيلة فعالة لستر العيوب والأخطاء، وغلق أبواب الإشاعات المغرضة وحماية أعراض المؤمنين، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة, رواه البخاري.

ومن الستر أيضا استخدام أسلوب التعريض وعدم فضح صاحب الخطأ، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم) أخرجه البخاري.

تحول العداوة إلى صداقة: إنّ مجتمع المؤمنين الذي يتغافر ويصفح ويصبر،  تنتقل أحوال أفراده من العداوة إلى الحب والولاء، وصدق رب العالمين حين قال: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فصلت: 34، 35 .

 

العفو والصفح: وهي ثمرة التغافر، وبهما تخلو القلوب من العداوة ويغيب تربَّص الفرصَ للانتقام، قال تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ الأعراف: 199 .

وقال: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ المائدة: 13 .

أسباب مغفرة الله واستغفار المؤمن

 مغفرة الله تعالى وقبول استغفار المؤمن له أسباب ووسائل كثيرة ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم وتضمنتها كتب الصحاح من السنة النبوية نذكر منها:

 

 التَوحِيدُ وَعَدَمُ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ بِالله: قَالَ الله جل جلاله: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾  النساء: 116 .

وعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ).

 

الإيمان والعمل الصالح والصبر: قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ المائدة: 9 .

وقال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ الحج: 50 .

وقال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ هود: 11 .

المُتَابَعَةُ لِلسُّنَّةِ: كما قَالَ تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمَ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ آل عمران: 31 .

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رضي الله عنهما قَالَا: قَالَ: رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ، وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ، غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ.

 

الشَّهادةُ في سبيلِ اللهِ والموت على الشهادتين: عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ… .

وعَنْ مُعَاذِ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ وَهِيَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، يَرْجِعُ ذَالكُمْ إِلَى قَلْبٍ مُوقِنٍ، إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهَا .

 

 تَقْوَى اللهِ وخَشْيَته سبحانه: قال  تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأعراف: 29]. وقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: 12].

 

المُحَافَظَةُ عَلَى الصَلَوَاتِ الخَمْسِ: فعن إَتْمَامِ رُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَخُشُوعِهِنَّ؛ عَنْ عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: أَشْهَدُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَاتَهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ .

وعن التَّأَمِينُ فِي الصَّلاةِ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .

وعن صَّلاةُ في جَمَاعَة؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ. قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ، قَالَ: “أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا”؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَوْ قَالَ حَدَّكَ.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …