بعد صدور قانون الأحزاب الأردني عام 1992، وإعادة ترخيص الأحزاب الأيديولوجية وإنْ بأسماء جديدة بعد حظرها منذ عام 1957، والحالة الحزبية تراهن مكانها.
فقد أدت سنوات الأحكام العرفية وثقافتها المستمرة وإفرازاتها على أرض الواقع، إلى تشويه العمل الحزبي والتفكير الحزبي, واقترن العمل الحزبي بالمؤامرات والارتباط بالخارج، وتم تحميله مسؤولية الصراع السياسي العربي للأنظمة العربية التي كانت توسم بالتقدمية أو الرجعية.
وبقيت الأحزاب أسيرة لخطابها الأيديولوجي القديم, ولم تلتفت لحياة المواطن, ولا لتنمية مؤسسات المجتمع المدني إلا بمقدار التقوّي بها، أو الاختباء خلفها.
وبقي الصراع الخفي بين الأحزاب المختلفة وأن اعترته فترات هدنة ومحاولات تنسيق منظمة، وبقي لها خطابان؛ خطاب الاجتماعات المشتركة، وخطاب كل حزب لكوادره، ولا أظن أحداً نجا من هذه الحالة.
صحيح أنها اشتركت في لغة المعارضة العامة، وفي محاولة مقاومة التطبيع، وفي بعض النشاطات العامة، وحاولت تشكيل مؤسسات مشتركة لكنها فشلت عند أول اختبار خارجي.
وبقيت القناعة الخاصة لكل حزب بأنه الأوفى والأكمل والأقدر، وأنَّ ما سواه لا قيمة له.
حتى إذا انفجر الربيع العربي شعبياً دون تخطيط من أي من الأحزاب العربية، وبعد أن بدا أن الحالة الشعبية العربية يمكن أن تتطور وتنتج شيئاً على أرض الواقع، غابت فجأة كل معاني العمل الجماعي واللقاء على المشتركات، فحنَّ كلٌّ إلى أصله, بغض النظر عن واقعه وصوابه وخطئه وقربه وبعده من تطلعات الشعوب، فانفجر العداء الشديد وبخاصة عندما شعر بعض الأحزاب أن الكفة الشعبية تميل باتجاه غيره، وتبخرت كل خطابات الديمقراطية والوحدة والعمل المشترك وشعارات نسيان الخلافات التاريخية!
لقد كان التنازع الحزبي ضربة قاصمة للجهود الشعبية الحرة المستقلة في سبيل النهوض العربي, واستخدم البعض ضد البعض الآخر حتى إذا ظنت الأنظمة أنها تمكنت من إطفاء شعلة الربيع العربي الأولى الناهضة، استغنت عن الجميع!
هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فقد فكر وتفكر بعض الأحزاب الأردنية بحل نفسها، ومنها حزب التيار الوطني الذي كان أمينه العام الأول م. عبد الهادي المجالي.
في ظل نداءات وأمنيات رسمية بضرورة تشكيل أحزاب وسطية بين الأحزاب الدينية (جماعة الإخوان) والأحزاب القومية واليسارية، وفي سبيل محاولة تحجيم الإسلاميين بطرق ناعمة ظاهرها ديمقراطي، قرأت المشهد شخصية أردنية, رسمية إلى عهد قريب, وتم جمع تسعة أحزاب (وسطية) لتشكل الحزب الوطني الدستوري من الأحزاب التالية:
- حزب اليقظة / عبد الرؤوف الروابدة
2- حزب العهد / عبد الهادي المجالي
- حزب وطن / عاكف الفايز
- حزب التجمع الوطني الأردني / مجحم الخريشة
- حزب وعد / أنيس المعشر
- حزب التقدم والعدالة / علي فريد السعد
- حزب الجماهير / عبد الخالق شتات
- حزب الوحدويون / طلال الرمحي
9- الحركة الشعبية / د. جمال الخطيب
وظنت هذه الأحزاب أن الفرصة أصبحت مواتية لها وبخاصة مع اتساع الشقة بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين التي كان قد استثناها من الحل في عام 1957.
وتوقع المهندس عبد الهادي المجالي أن حزبه (المكون من تسعة أحزاب) مرحب به وسيحصد أكثر من 50 % من عدد مقاعد مجلس النواب عام 1997 وبخاصة في ظل مقاطعة جماعة الإخوان المسلمين للانتخابات في تلك الدورة كما روى ذلك الأستاذ طاهر العدوان في مذكراته القيمة (المواجهة بالكتابة) التي صدرت مؤخراً.
وظن أن الحزب الوطني الدستوري هو المطلوب لينشأ وينمو ويقوى في مواجهة التيار السياسي المزعج (الإخوان المسلمين)، ولعله لم يقرأ الصورة جيداً مع أنه ابن المؤسسة الأمنية ويعلم كيف تفكر قوى الشد العكسي تجاه الديمقراطية والحريات العامة والسلطة الحقيقية للشعب، وما كان له ليفرح كثيراً بمقاطعة الإخوان للانتخابات، وكان الاقوى له والأنفع لو شاركوا في تلك الانتخابات وإن على حساب مقاعده المأمولة.
ومع جولات الملك حسين في المحافظات الأردنية, بدأ الحزب الوطني الدستوري يتفكك, والاستقالات تتوالى ولم يحصل إلا على مقعدين فقط !
لكن (الضابط المهندس ورجل الأمن) عبد الهادي المجالي أصر على استمراره في العمل الحزبي، مع أنه ربما اكتشف أن معيقات منظمة تقف أمام حزبه، وقد كان المنضمون إليه يشعرون بالطمأنينة والأمن من المتابعات الامنية والتضييق عليهم بسبب رئيس الحزب الذي لا يتهم بمعارضة النظام أو أنه صاحب أجندات خارجية، لكن يظهر أنّ هذا الصبر نفد مما دعاه للتفكير بالدعوة لحل الحزب نفسه.
قراءة ونصيحة في مقال قادم..
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات