في 15 يناير/كانون الثاني 2024، أعلن جيش الاحتلال سحب الفرقة 36 من قطاع غزة، وذلك بعد أكثر من 100 يوم من العدوان المتواصل على غزة.
جاء سحب الفرقة بحجة قضاء “فترة من الانتعاش” و”تدريبات تهدف لزيادة الكفاءة”، وذلك بعد انسحاب مقاتلي لواء “غولاني” من قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، “ليلتقطوا أنفاسهم بعد تكبدهم خسائر فادحة”.
وفي نفس اليوم 15 يناير، أعلن جيش الاحتلال سحب جنود وحدة “دوفدوفان” للقوات الخاصة من غزة أيضا، ونقلهم إلى الضفة الغربية، بحجة التوتر الأمني المتصاعد هناك.
ونقلت وسائل إعلام عبرية عن الجيش أن الخشية من تفجر الوضع في الضفة وتصاعد العمليات الفلسطينية المسلحة ضد المستوطنين، هو سبب نقل وحدة “دوفدوفان” من غزة للضفة، بحسب موقع “الاستقلال”.
ووصف مسؤولون عسكريون إسرائيليون الوضع في الضفة بأنه “على شفا الانفجار” بسبب إلحاق الحكومة الإسرائيلية أضرار بالاقتصاد الفلسطيني، لرفضها تحويل أموال الضرائب لسلطة رام الله، أو السماح بدخول عمال فلسطينيين للعمل بإسرائيل.
وتزامن هذا مع تحذير وزير جيش الاحتلال يوآف غالانت 14 يناير 2024، من أن حركة المقاومة الإسلامية حماس تحاول الربط بين غزة والضفة و”إشعال” الوضع في المسجد الأقصى، و”من شأن ذلك أن يضر بأهداف الحرب”
ودعا لمنع ذلك بأي طريقة، وحل مشاكل الفلسطينيين في الضفة الغربية عبر تنظيم موضوع العمال والأموال” لسلطة رام الله.
مقابل ذلك، أثيرت نظريتان أخريان لتفسير سحب الاحتلال قوات من غزة. الأولى تشير إلى أن ذلك جاء بحجة نقلها للضفة المشتعلة، في محاولة للتغطية على الخسائر العسكرية للجيش، والتي باتت معلومة ويتحدث عنها إعلام إسرائيل والعالم.
والثانية، أن هذه الانسحابات قد تكون توطئة لتنفيذ خطة إسرائيلية أميركية سعودية تقوم على “مقايضة” وقف العدوان باتفاق تطبيع سعودي إسرائيلي، وانخراط خليجي أكثر في شؤون غزة ماليا وإداريا.
الهزائم والتوتر
برغم أن الضفة الغربية مشتعلة بالفعل من قبل طوفان الأقصى، وزاد اشتعالها عقب 7 أكتوبر، بعدما كثف الاحتلال عملياته هناك لقمع فكرة “وحدة الساحات” مع غزة، ينظر الاحتلال للوضع من زاوية اقتصادية.
يرون أن استمرار حصارهم للضفة ومنع العمال الفلسطينيين من العمل في المدن المحتلة، بجانب حجب متطرفي حكومة تل أبيب أموال الضرائب عن السلطة في رام الله (190 مليون دولار) والتي تشكل موازنتها الأساسية، قد يؤدي لانفجار كل الضفة لا مقاوميها الحاليين فقط.
صحيفة “هآرتس” العبرية لخصت الوضع في 15 يناير 2024 بتأكيدها أن إسرائيل نقلت وحدة “دوفدوفان” الخاصة من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، “بسبب مخاوف من تدهور الأوضاع إذا لم تُتخذ تل أبيب قرارات بشأن المستقبل الاقتصادي للفلسطينيين”
أشارت إلى أنه “من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، فإن سحب وحدة القوات الخاصة هذه من غزة يمثل تنازلاً عن قوة كبيرة في المجهود الحربي”
وتتصاعد المخاوف الصهيونية من تدهور أمني كبير في الضفة، التي تعج بالمستوطنين، خصوصا مع تصاعد العمليات الفدائية.
وجاءت “عملية رعنانا” بتل أبيب، والتي قتل فيها فدائيان من جنوب الضفة الغربية، إسرائيلية وأصابوا 18 في عمليتي دهس وطعن 15 يناير 2024، لتزيد هذه المخاوف من اشتعال الضفة، وهو ما سعى الجيش لمنعه منذ بداية العدوان على غزة.
“هآرتس” نقلت عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أنه: “إذا لم تتخذ القيادة السياسية الإسرائيلية (حكومة بنيامين نتنياهو) قرارات بشأن المستقبل الاقتصادي للفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية، فإن خطر الصراع سيزداد”
ألمحت إلى أن تدهور الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في الضفة الغربية أيضا مثل غزة، سيدفع أهلها لإشعال انتفاضة شاملة.
وانتقدت منع وزراء “الصهيونية الدينية”، وزير المالية “بتسلئيل سموتريش”، ووزير الأمن إيتمار بن غفير، السماح بنقل أموال الضرائب إلى السلطة الفلسطينية، ومنع عمال الضفة الغربية من العودة إلى أماكن عملهم في إسرائيل.
وكانت فضائيات إسرائيلية كشفت في 13 يناير 2024 أن الشاباك (جهاز الأمن العام) حذر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من اشتعال الضفة الغربية.
ولهذا جرى سحب المزيد من الفرق العسكرية في قطاع غزة لدعم جبهة الضفة الغربية دون إتمام المهمة في الأولى ودون الإعلان عن انتهاء العدوان.
ويتوقع أن يضغط هذا أيضا على جبهة الشمال مع جنوب لبنان، التي يهدد نتنياهو ووزراؤه بإشعالها بعبارات لا تتماشى مع قدرة الجيش على الأرض.
ويعد العمال الفلسطينيون في الضفة الغربية صمام أمان اقتصادي لسلطة رام الله وإسرائيل. كما أن عدم السماح لهم بالعمل في الأراضي المحتلة يشكل معضلة أخرى للاقتصاد الإسرائيلي في قطاعاته المختلفة خاصة البناء والزراعة.
وقالت القناة “12” الإسرائيلية 15 يناير 2024 إن الحكومة والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية كانتا تدرسان نموذجاً جديداً لإدخال العمال الفلسطينيين يعتمد معايير أكثر صرامة، في محاولة لغربلة ومنع منفذي عمليات محتملين من الدخول.
لكن عملية “رعنانا” دفعت الوزراء المتطرفين من أحزاب الصهيونية الدينية لرفض هذه الخطط بدعوى أنه لا فارق بين الفلسطينيين فيما يتعلق بالعمل ضد دولة الاحتلال.
إلا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حذرت من حرمان العمال الفلسطينيين، مشيرة إلى أن من نفذوا العمليات حتى الآن معظمهم متسللون، وبدون تصاريح عمل.
وحذروا من استغلال حماس للفراغ والأزمة الاقتصادية للحض على تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية والمشاركة في مسيرات غاضبة.
وحذر المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، من أن الأزمة الاقتصادية من شأنها تفجير “موجة عنف خطيرة” داخل الضفة الغربية المحتلة تهدد السلطة الفلسطينية أيضا.
أكد أن قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال قلقة من فقدان السيطرة، لكن من الصعب مشاهدة نتنياهو يصادق على إدخال عمال فلسطينيين.
وعد “استمرار الحرب والتنكيل بالفلسطينيين وخنقهم داخل معازل ينذر بالمزيد من العمليات، حتى بدون سلاح، كما حصل في رعنانا”.
وهناك نحو 150 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون حتى 7 أكتوبر 2024، منهم 40 ألفا مرتبطون بمشغلين إسرائيليين في الضفة الغربية، والبقية داخل أراضي 48 المحتلة وفق صحف عبرية.
فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه
ويرى محللون أن نقل قوات إسرائيلية من غزة إلى الضفة له دلالات أكبر من مجرد مواجهة انفجار قادم في الضفة، خاصة أن الاحتلال ينفذ عمليات قمع وقتل يومية في مدنها لمنع التحاقها بغزة.
ويعتقدون أن الأمر له صلة بفشل الاحتلال في تحقيق أهدافه خاصة إنقاذ الأسرى من غزة أو قتل قيادات حماس، لذا يسحبها بحجج أمنية لمنع ثوران الضفة الغربية.
أوضحوا أن سحب الفرقة 36 من غزة (بقي في القطاع 3 فرق للجيش هي 99 و162 و98)، كما ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي، في 15 يناير 2024، يشير لهزيمة عسكرية ومعنوية للاحتلال، يجري التغطية عليها بحجة اشتعال الضفة المشتعلة أصلا.
وكان لافتا أن المبررات التي أوردها جيش الاحتلال لسحب الفرقة 36 من غزة (تضم ألوية غولاني والسادس والسابع و188 وسلاح هندسة)، تشير لأضرار كبيرة طالت قواته في غزة.
وبحسب تعبيرات الجيش التي أوردتها صحيفة “إسرائيل اليوم” 15 يناير 2024، جاء قرار سحب الفرقة “بسبب الحاجة إلى الحفاظ على كفاءة القوات بعد تقييم الوضع القتالي”
قالت: “بناء على تقييمات الجيش لموقف القتال، تقرر إدخال الفرقة، التي تضم لواء غولاني واللواء 188 والسابع من سلاح المدرعات وفرقة إطفاء تابعة لسلاح المدفعية ولواء عتسيوني الاحتياطي، في فترة تجهيز وتنشيط كبيرة”
وهو ما يعني أن فرقا عديدة بالجيش نالتها أضرار عسكرية ومعنوية كبيرة، ولهذا تقرر سحبها لإعادة تأهيلها.
ونقلت الصحيفة عن جيش الاحتلال أن “قوات الفرقة 36 تغادر قطاع غزة للدخول في فترة تجديد وتدريب وزيادة كفاءة، وعندما تنتهي هذه الفترة سيتقرر بناء على التقييمات ما إذا كانت ستستمر في نشاطها العملياتي، أم لا”
وعلى غرار ما فعلت فرقة غولاني، احتفلت الفرقة 36 التابعة بانسحابها من جحيم غزة بعد تكبدها خسائر كبيرة.
السعودية والتطبيع
ولكن هناك تفسير آخر للأمر يرتبط بصفقة تطبيع سعودية مع إسرائيل من أجل إنهاء العدوان المتواصل والحصول على مكاسب.
ففي 13 يناير 2024، تحدث موقع “هافينغتون بوست” عن خطة أميركية عاجلة، لحرب غزة، تركز على صفقة التطبيع بين السعودية وإسرائيل.
ويشرف على الخطة بريت ماكغورك، كبير مستشاري الرئيس الأميركي جو بايدن لشؤون الشرق الأوسط، حسب تسريبات مسؤولين أميركيين للصحيفة.
نقل على لسان مصادر في الإدارة الأميركية أن “بريت ماكغورك”، يعمل على اقتراح لإعادة بناء قطاع غزة، يرتكز على صفقة بين إسرائيل والسعودية.
وأوضح الموقع أن اقتراح “ماكغورك” يربط بين إعمار قطاع غزة بعد العدوان، واستئناف مسيرة التطبيع بين السعودية وإسرائيل، التي انقطعت في 7 أكتوبر.
أشار إلى ما يُسمى “ميثاق القدس -جدة”، وهو عبارة عن وثيقة سرية للغاية، جرت مشاركتها في بعض دوائر مؤسسة الأمن القومي في واشنطن.
وهي خطة تتصور أن يسافر بايدن إلى المنطقة، خلال الأشهر المقبلة، في “جولة انتصار”، لادعاء الفضل في نجاح الصفقة الإسرائيلية السعودية، بعد انتهاء العدوان على غزة.
وتقترح خطة بريت ماكغورك جدولاً زمنياً مدته 90 يوماً تقريباً، تبدأ بمجرد انتهاء العدوان على غزة، بإطلاق جهود دبلوماسية عاجلة تعطي الأولوية لإقامة العلاقات الإسرائيلية السعودية.
ولامتصاص قلق وغضب الرأي العام داخل المملكة بشأن صفقة التطبيع مع إسرائيل، “سيتم الاستفادة من عملية إعادة الإعمار في غزة، لتخفيف آلام التطبيع مع السعودية”
وحسب خطة ماكغورك، سيجري استخدام حافز المساعدات من المملكة وقطر والإمارات، لإعادة إعمار القطاع، بهدف الضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين.
وذلك بجانب تشكيل حكومة جديدة في غزة والضفة تبتعد عن انتقاد إسرائيل، وتقبل نفوذا محدودا لها في القطاع المحاصر، بحسب الموقع.
ولأنها “خطة خبيثة”، هناك مخاوف من مسؤولين بإدارة بايدن، أن تزرع، عكس المتوقع، بذور عدم الاستقرار في المنطقة مستقبلا، لأن صفقات التطبيع المماثلة التي قادتها واشنطن قللت من أهمية القضية الفلسطينية، وغذت الغضب والعنف، بما في ذلك هجوم 7 أكتوبر.
وقد أكدت “يديعوت أحرونوت” العبرية في 13 يناير 2024 نفس ما قالته الصحيفة الأميركية، مؤكدة أن المسؤول الأميركي قال إنه سيكون ممكناً تحقيق استقرار في المناطق التي دمرتها الحرب، إذا ما شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، للتوقيع على اتفاق التطبيع.
في تقدير موقف نشره “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي 14 يناير 2024 بعد مرور 100 يوم على العدوان في غزة، أكد أن إسرائيل وصلت إلى مفترق قرار مصيري، وأمام الحكومة خياران.
الأول: تنفيذ صفقة تبادل أسرى بوساطة قطرية، من شأنها إنهاء الحرب، من دون أن يترتب على ذلك ثمن سياسي، على الأقل ظاهرياً، لكن من المحتمل أنها ستسمح باستمرار سيطرة حماس على غزة.
والثاني: المضي في صفقة إقليمية، بوساطة أميركية، مع السعودية. وفي هذه الحال أيضاً، ستنتهي الحرب مع صفقة أسرى، لكن سيكون لها ثمن على شكل موافقة إسرائيلية على عملية سياسية مع السلطة الفلسطينية تعيدها إلى الحكم في غزة.
وقد أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، 16 يناير 2024 خلال جلسة نقاشية في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن المملكة قد تعترف بـ “إسرائيل” إذا جرى حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة.
وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” 10 يناير 2024، قال سفير السعودية لدى المملكة المتحدة، خالد بن بندر آل سعود، إن “هناك اهتماما سعوديا بصفقة التطبيع مع إسرائيل بعد الحرب على غزة”.
ويؤكد تقرير لشبكة “سي إن إن” الإخبارية 15 يناير 2024 أنه رغم مرور ثلاثة أشهر على العدوان الإسرائيلي على غزة، لا تزال السعودية ترى أن الاعتراف بإسرائيل قد يكون مطروحا على الطاولة، ولكن بـ “ثمن أعلى”
نقلت عن “خبراء” أن الثمن الذي ستطالب به السعودية مقابل التطبيع سيكون أعلى الآن مما كان عليه قبل العدوان على غزة، حيث تشعر الرياض بأنها مضطرة إلى انتزاع المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال الكاتب والمحلل السعودي، علي الشهابي، لشبكة “سي إن إن” الأميركية، إن الحكومة السعودية لا تزال “منفتحة على التطبيع بشرط أن تتخذ إسرائيل خطوات ملموسة على الأرض لإرساء أسس حل الدولتين”.
وأشار الشهابي إلى أن الخطوات يجب أن تكون “وعودا ملموسة وليست فارغة يمكن أن تنساها إسرائيل بعد التطبيع كما فعلت مع الدول الأخرى التي طبعت معها”، على حد تعبيره.
تحدث عن “رفع الحصار بشكل كامل عن غزة، والانسحاب من المناطق الرئيسة في الضفة الغربية وتمكين السلطة الفلسطينية في المنطقتين”.
وأشار تقرير سابق لـ “الاستقلال” إلى أن تقاطر ثلاثة مسؤولين أميركيين بارزين، على السعودية في 6 و7 و8 يناير 2024، كان بهدف بحث صفقة التطبيع مع إسرائيل وربطها بدور للرياض في غزة مستقبلا ماليا وإداريا.
إذ زارها رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ السيناتور مارك وارنر، والسيناتور الجمهوري المتطرف ليندسي غراهام، ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، ما أثار تساؤلات حول الذي يجرى طبخه بين الأميركيين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في خيمته.
مع هذا أظهر استطلاع للرأي أجراه “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، في الفترة من 14 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 6 ديسمبر 2023، أن 96 بالمائة من السعوديين الذين شملهم الاستطلاع البالغ عددهم 1000 شخص طالبوا بقطع العلاقات مع إسرائيل.
قالوا إنهم يعتقدون أنه “يجب على الدول العربية قطع جميع الاتصالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية وأي اتصالات أخرى مع إسرائيل على الفور”، وذلك احتجاجا على العمليات العسكرية التي تنفذها في غزة
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات