لم يكن التهديد بإشعال منطقة الشرق الأوسط هو ما تقوم به دولة قطر من أدوار على مختلف الأصعدة باعتبارها دولة ذات سيادة تمارس علاقاتها الخارجية وفق رؤيتها وبما لا يتعارض مع سياسة ونهج القرارات التوافقية في البيت الخليجي منذ نشأته.
ولكن السر وراء اشتعال المنطقة ومبررات نشوب حرب لا تبقي ولا تذر إنما يعود لسياسات ونهج الرئيس الأمريكي ترامب، فهو في مكتبه يتخذ قرارا, ومع الزائرين للبيت الأبيض يمكن أن يتخذ قرارا, وقبل أن يخلد إلى النوم يغرد مصدرا قرارا ثالثًا ينسف ما اتخذه مع إدارته أو عند ترحيبه بزائريه في البيت الأبيض.
ترامب غرد عبر تويتر يوم الثلاثاء الماضي عدة تغريدات أيد فيها كامل الخطوات العدوانية المفاجئة من قبل السعودية والإمارات والبحرين ضد قطر، واعتبر أن ما قاموا به انجاز يضاف لرصيد انجازاته بعد حصوله على صفقات بمئات المليارات بعد قمة الرياض، إذ قال: «من الجيد جدًا أن نرى نتائج زيارتنا للرياض مع ممثلي 50 دولة، لقد قالوا إنّهم سيتخذون خطًا متشددًا ضد تمويل التطرف، وكانت كل إشارة تشير إلى قطر» .
رسائل ترامب لم تكن كما يبدو بتنسيق مع إدارته، حيث سبقها تصريح رسمي منه بأنه على استعداد للتدخل لحل الخلافات بين الاشقاء وحلفاء أمريكا في الخليج، مما يعد استهجانا لما قامت به الدول الثلاث المصدرة للأزمة الخليجية، أو ربما غاب عنه التفكير في الآثار المترتبة على تعزيز الحصار على بلدٍ يستضيف أهم قاعدة عسكرية أمريكية بها أكثر من 11 ألف من عناصر الجيش الأمريكي ودروهم في الحملة ضد تنظيم داعش.
موقف «ترامب» الحاضن للاستبداد يتسق مع الموقف السعودي الإماراتي بشأن القضايا الإقليمية وذلك بإعطائه الأولوية للمواجهة مع إيران، وحملة متصاعدة ضد ما يعتبره «الإرهاب الإسلامي الراديكالي»، مع تجاهل مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية من جدول الأعمال، بحسب تقرير نشرته “الواشنطن بوست” .
مراقبون للأداء الأمريكي المتذبذب يرجحون أن أمريكا تعتزم أن تعتمد على المحور السعودي الإماراتي بعدما وجدت منهما دورا متناميا متناغما مع سياساتها الجديدة في بناء تحالفاتها الإقليمية الموجهة صوب التركيز على إيران وعلى الإسلام السياسي بالتركيز على الإخوان المسلمين والتطرف الإسلامي المزعوم، وفي الغالب غطاءً لحملةٍ أكثر عمومية ضد أي شكل من أشكال التغيير الديمقراطي أو النشاط الشعبي.
الحملة ضد قطر
تقرير “واشنطن بوست” استعرض تاريخ المنافسة بين قطر والائتلاف السعودي الإماراتي منذ فترة طويلة كواحدة من الخطوط الرئيسية للسياسة الإقليمية، وتأكيد للدور الأمريكي الضالع في المنطقة.
فمنذ منتصف التسعينات، اعترضت قطر على الهيمنة السعودية على الخليج ونافستها إقليميًا، وقد نشأت قناة الجزيرة القطرية في التسعينيات لتتفوق على وسائل الإعلام العربية التي يمتلكها السعوديون والتي يسيطرون عليها بعناية.
وتنافس قطر السعودية على دور الوسيط في ساحاتٍ تمتد من لبنان وفلسطين إلى الصومال، كما قامت ببناء شبكات لا تضم فقط جماعة الإخوان المسلمين، بل أيضًا الناشطين الشباب عبر الإنترنت، الذين سيصبحون فيما بعد لاعبين محوريين في الانتفاضات العربية.
ومع استضافة قطر لأفراد وممتلكات تابعة للولايات المتحدة ولحلفاء آخرين في قاعدة العديد الجوية فقد أصبحت عقدةً حاسمة في البنية الأمنية الإقليمية الأمريكية، وقدم ذلك لها الحماية من التهديدات الخارجية، سواء من إيران أو السعودية.
وقد مثلت انتفاضات عام 2011 لحظة نادرة للوحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي, ودعمت قطر التدخل في البحرين، وسمحت للسعودية أن تأخذ زمام المبادرة في صياغة استجابة دول مجلس التعاون الخليجي في قضية اليمن. وعملت قطر والسعودية والإمارات معًا للدفع بنجاح للتدخل العسكري في ليبيا، وبنجاحٍ أقل لتدخل مماثل في سوريا.
لكنّ هذا التعاون تلاشى بسرعة مع تجاوز الشعور بالتهديد الوجودي، وازدادت المنافسة بسرعة في كل مجال تقريبًا. فقد فاز الإخوان المسلمون بالانتخابات في مصر وفاز حزب النهضة في تونس.
لكنّ أول رئيس مصري مدني منتخب؛ د.محمد مرسي, أطيح به في انقلابٍ عسكريٍ تدعمه السعودية والإمارات، وكان ذلك أحد نتائج احتضان أمريكا للاستبداد، مما دعى حكومة حركة النهضة التونسية للتنازل طواعية عن السلطة لصالح حزب “نداء تونس” المدعوم من الإمارات، بينما قامت تحالفات متنافسة في ليبيا وسوريا، بصب الأموال والأسلحة والدعم الإعلامي إلى الوكلاء المحليين، ما أدى إلى أثارٍ مدمرة للغاية في الشأن الليبي.
وجاءت هذه الحرب الإقليمية بالوكالة مع تنازل أمير قطر عن الحكم لابنه في يونيو عام 2013، وإقالة حمد بن جاسم، مهندس السياسة الخارجية القطرية.
وكانت أزمة عام 2014 بين قطر والمحور السعودي الإماراتي، قريبة من حملة هذه الأيام وإن كانت بمستوى أدنى.
ينبغي أن يُنظر إلى عودة الصراع المفاجئ على أنّه استئناف لصراع طويل الأمد في السياسة الخليجية أكثر من كونه أمرًا جديدًا.
لكن الاختلاف هو عدم وجود أي سبب واضح، والشدة غير المعتادة للحملة السعودية الإماراتية، والموقف الأمريكي المتناقض. والجديد أيضًا هو وجود روسيا كبديل محتمل لقطر، إذا كان الضمان الأمني الأمريكي غير موجود.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات