سفيان بنحسن : إيران والشيطان الأكبر .. قصة العشق الممنوع

“مرك بر أمريكا” أو بلغة الضاد “الموت لأمريكا” هو شعار رفعته الثورة الإسلامية في إيران منذ اليوم الأول لنجاحها في الإطاحة بالشاه سنة 1979، ولا تزال بعض البنايات في طهران تتزين بهذا الشعار الذي يوحي للمشاهد بأن العداء بين البلدين أشبه بالعلاقة بين كوبا أو كوريا الديمقراطية بالولايات المتحدة، وأن النظام الحاكم في طهران اليوم يقف شوكة في حلق بلاد العم سام ويهدد وجودها ومشاريعها في المنطقة ويدعم المناهضين لها، لكن حين نغوص أكثر في تفاصيل هذه العلاقة المركبة يتضح لنا حجم التنسيق والمصالح المشتركة بين النظام الإيراني وبين من أسماها الخميني “الشيطان الأكبر”.

حين نشاهد صورا لقاسم سليماني قائد فيلق القدس والمصنف أمريكيا كداعم للإرهاب وهو يتجول في أطراف الموصل التي تتعرض لقصف غربي يمهد لعملية إبادة وتطهير عرقي وطائفي وحين نشاهد قواته المنتشرة تحت الغطاء الجوي الأمريكي وهي تستلم الأرض المحروقة فإن قصة الشيطان الأكبر تنكشف أمامنا مجددا كخديعة مشتركة تساعد كلا النظامين الظلاميين في واشنطن وطهران على تسويق سياساته أمام جماهيره؛ فالتحالف غير المعلن بين القوتين المحتلتين للعراق قد بلغ منتهاه حتى باتت القوات شبه الرسمية لإيران ممثلة في “فيلق القدس” هي عمود جيش البر للتحالف الذي اكتفى إلى الآن بدك المدن وحرقها تمهيدا لتقدم الحليف بأقل خسائر في الأرواح والمعدات، والثابت أن العلاقة بينهما لا تعود فقط إلى ما بعد احتلال العراق بل إلى زمن معركة القادسية الثانية أو كما يسميها العالم اليوم “حرب الخليج الأولى”  التي زودت فيها بلاد العم سام إيران بالآلاف من صوارخ “تاو” للتصدي للقوات العراقية المتقدمة، وقد لعب أنذاك الملياردير السعودي عدنان خاشقجي دور الوسيط بين الطرفين في حين تكفل الكيان الصهيوني بنقل الأسلحة جوا إلى طهران في ما سمي إثر ذلك بـ”إيران جيت” أو “إيران كونترا”، ورغم التعاون السري بين الطرفين في تلك الفترة إلا أن الإعلام استمر في لعبة تنويم الجماهير بشعارات الموت والشيطنة إلى اليوم.

 نحن هنا لا نسعى لانتقاء الأحداث بل لقراءتها على الوجه الأكمل تمهيدا لاستخراج الخلاصة والعبر, وهنا علينا التذكير بحوادث عارضة بين البلدين كأزمة الرهائن في طهران والتي كادت أن تقود إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين بعد إفشال علمية الإنقاذ الأمريكية، كما وجب المرور أيضا بحادثة الرهائن في لبنان التي أنتجت الاتفاق الفضيحة الذي ذكرناه آنفا، ونعتقد أن المناوشات بين الطرفين في تلك الفترة كانت ضرورية لتحديد طبيعة العلاقة التي يرفض الإيرانيون أن ترسمها الولايات المتحدة منفردة فتكون كعلاقة الراعي بالقطيع أو كعلاقة ساكن البيت الأبيض بحكام العرب.

المناوشات الأولى رسمت الخطوط العريضة لعلاقة تكامل بين مشروعين قوميين كل منهما قائم على خدمة مصالحه ورعاية مصالح الطرف الآخر وليست علاقة عمودية على شاكلة العلاقة الأمريكية العربية؛ أي بين أسرة حاكمة لا تملك مشروعا إقليميا غير مشروع تثبيت أركان العرش, وبين إمبراطورية عظمى تسعى للتمدد والهيمنة على أرض النفط والغاز والمصالح الصهيونية.

كلا الطرفين ساعد الآخر على عبور نهر التحديات مرارا، وفي سنة 2001 قامت المخابرات الإيرانية بتقديم كنز من المعلومات الإستخباراتية للأمريكان لتسهيل غزوهم لأفغانستان ولتتخلص إيران بدورها من نظام طالبان الذي أبدت مرارا عدم رضاها عن سياساته في البلاد المجاورة، ونذكر في تلك الفترة تصريحات الغزل التي أدلى بها خاتمي ووصف فيها أمريكا بدولة ذات حضارة تستحق الاحترام, متنكرا للعبارة التي تملأ شوارع طهران وترفعها الأحزاب والجمعيات منذ وصول الخميني كشعار للسياسات الخارجية، وأيا تكن دوافع إيران وراء مد يد المساعدة للأمريكان سواء أكانت نتيجة حقد مذهبي موغل في القدم, أو جزءً من إستراتيجية خبيثة للتوسع في الأرض المحروقة فإن الطرفين يجدان دوما عدوا مشتركا للإجهاز عليه، وإن كان التاريخ يحدثنا اليوم بمرارة كبرى أن المارينز لم يعبروا إلى بغداد من حدودها الشرقية ولا الشمالية بل من الحدود العربية فإن إيران قد تسلمت جائزتها الكبرى بالتمدد شرقا وغربا في العراق المضرج بالدم حتى وصف أحد مستشاري روحاني بغداد بعاصمة الإمبراطورية الفارسية وهي التي كان مجرد ذكر إسمها يثير الرعب في ساكن القصر الرئاسي الإيراني، ولولا الغزو الأمريكي والتكلفة البشرية التي دفعها العم سام أو التكلفة المادية التي دفعها أمراء الخليج لكانت مثل هذه العبارة وقودا لقادسية ثالثة تعيد إيران إلى حدودها الطبيعية.

العلاقة بين القوتين تبدو أكثر تشعبا، تتجانس في أمهات القضايا وتختلف في التفاصيل والأساليب، ويكفي التذكير بإتفاق لوزان النووي بين إيران والمجتمع الدولي يقيادة أمريكا والذي يرحب ضمنا بالجمهورية الإسلامية كعضو في النادي النووي العالمي بينما لم يتحرك الطيران الصهيوني كما تحرك لضرب مفاعل تموز في العراق, ووأد الحلم العربي في مهده إدراكا منه بتناغم المشروعين الأمريكي والإيراني, وبأن السلاح لن يكون موجها يوما صوب تل أبيب مثلما لم تكن القدس يوما قبلةً لجيش القدس. المشروع النووي الذي لم يظهر إلى العلن إلا بعد إحتلال بغداد والذي اكتفى الكيان الصهيوني بإدانته بينما رحب به أوباما والغرب يمثل الوجه الآخر للعلاقة بين قادة طهران والولايات المتحدة وإن كان العرب ممنوعين من الطاقة النووية ومحكوم عليهم بالضعف والهوان رغم امتهان قياداتهم لعق أحذية العم سام فإن المشروع الإيراني يبدو متجانسا مع المشروعين الأمريكي والصهيوني.

لفت اتباهي مؤخرا تصريح نسب للمرشح الأمريكي “دونالد ترامب” يقول فيه بأن إيران هي التي ستتسلم مدينة الموصل بعد أن يدمرها التحالف ويحيلها إلى رماد, وأنها ستشكر أمريكا على هذه الجائزة. تصريحات ترامب الذي يبدو أنه قد خسر سباق الإنتخابات قبل خوضه تبدو أقرب إلى الواقع وتنم عن فهم دقيق لمسار الأمور في المنطقة المنكوبة من هذا العالم، ومع انتشار صور الخميني في بغداد والبصرة ومع انتشار الحسينيات في الرمادي وتكريت لاح جليا أن ثمار النزوات الأمريكية تقطفها طهران قبل الجميع.

نحن لا نلوم المشروع الإيراني ولا الأمريكي بقدر ما نلوم غياب المشروع العربي وتآمر العرب على كل من قام فيهم مطالبا برص الصفوف ووحدة المصير والإجهاز على حقبة سايكس بيكو، أما الوفاق الفارسي اليهودي والمصالح المشتركة فضاربان في القدم ويعودان إلى زمن قورش الثاني ذلك الإمبراطور الفارسي الذي غزا بابل ودمرها وحرر اليهود من السبي البابلي.

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …