حادثة دهس الطفل العراقي محمد حسين علي الحديدي, بدبابة الحشد الشعبي العراقي ليست منعزلة في عيون المطلعين على تاريخ هذا التنظيم االذي نشأ سنة 2014 إستجابة لفتوى الجهاد الكفائي، فقد ألِف المتابعون للشأن العراقي جرائمَ السحل والتنكيل وتقطيع الأوصال التي تفنن فيها عناصر الحشد في كل المناطق التي دخلوها رافعين شعارات التحرير. وإن كانت انتهاكات الطرف المقابل؛ أي تنظيم الدولة الإسلامية تصل عبر كل وسائل الإعلام إلى أقصى المعمورة ويتناولها الجميع كمادة إخبارية دسمة فإن ما يرتكبه الحشد والقوات العراقية الرسمية يمر كأن لم يكن, دون أن يكترث له العالم الحر, راعي حقوق الإنسان والمدافع الأول والأوحد عن الحريات!
حديث قادة العراق الجديد بأن مثل هذه الأفعال فردية ولا تمثل الوجه الحقيقي لميليشيا الحشد الشعبي هو بمنطق المسؤولية والأخلاق حديث أجوف لا يهدف إلا لذر الرماد على العيون، وإن كان من الحيف مقارنة النظام الوطني زمن الإستقلال بحكام اليوم الذين فتحوا العراق على مصراعيه أمام كل اللصوص والغرباء إلا أنه لزاما علينا التذكير ببعض المواقف، ونستحضر هنا حادثة إعتداء أحد ضباط العراق على سيدة عربية إبان عملية ضم الكويت أو إجتياحها (كل حسب تعبيره) وكيف أمر صدام حسين بإجراء محاكمة عاجلة للمعتدي وإعدامه بعد ثبوت التهمة عليه وتعليقه في مكان إرتكابه لفعلته مدة يومين أو يزيد ليكون بذلك عبرة لغيره من أصحاب النفوس المريضة. فغض الطرف عن هذه الإعتداءات يعتبر مشاركة في الإثم وتشجيعا عليه، وما يأتيه عناصر الحشد الشعبي اليوم وغيرهم من القوات التابعة لحكومة المنطقة الخضراء في كل المدن التي دخلوها رافعين شعارات التحرير يكشف مدى تغلغل داء الطائفية في أوساط حكام ما بعد الغزو كما يكشف السياسة الممنهجة لتغيير العراق ديموجرافيًا, وخلق مناطق ذات غالبية طائفية محددة أملا في أن تمثل إمتدادا وحاضنة لحكومة المنطقة الخضراء وللجار الإيراني المتمدد والباحث عن تعزيز مشروعه القومي في المنطقة واسترداد إمبراطوريته الغابرة.
ما يحدث اليوم على أطراف الموصل المنكوبة من جرائم في حق الضعفاء الفارين من جحيم الاقتتال وما حدث بالأمس في ديالى والفلوجة والرمادي وصلاح الدين من هدم ونهب وتخريب وتطهير عرقي وطائفي يكشف حجم النفاق الذي يمارسه الغرب ومدى زيف شعارات الحرية والديمقراطية التي لا يزال البعض يؤمن بأنها قد تأتينا يوما من وراء البحار، فما كان لهذه الميليشيات أن توجد أو تتمدد لولا الغطاء الجوي لقوات التحالف ولولا المدد بالعدة والعتاد من الشرق والغرب، ومع سياسة التعتيم الإعلامي على كل الجرائم في حق اللاجئين في أوطانهم يصبح الجميع شركاء لهذه الميليشيات في مجازرها, ولولا رغبة المجرمين في التباهي بها وتسجيلها إرضاءً لأسيادهم في الداخل والخارج لما خرجت تلك المشاهد إلى العلن ولما أمكننا الحديث عنها وطرحها في هذه الأسطر، وإن كانت عناصر هذه الميليشيات تحركها الفتاوى والأحقاد الطائفية فإنها تكمل دون وعي منها ما تبقى من مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي سبق وأعلنه سيء الصيت بوش والذي يهدف إلى تقسيم العراق والمنطقة على أساس طائفي ليصبح نتيجة لذلك وجود دولة يهودية في فلسطين واقعا منسجما مع المحيط المقسم على أسس دينية وطائفية، فمع قيام كنتونات للسنة وأخرى للشيعة وغيرها للعلويين ثم المسيحيين يكون من المنطقي بل ومن الملح وجود كيان مستقل لليهود.
معركة الموصل لن تكون الأخيرة التي تشهد إرتكاب المجازر في حق النازحين والمستضعفين ومحمد حسين الحديدي هو رقم من بين الآلاف الذين قضوا والذين في طريقهم إلى أن يكونوا قرابين ترضي غرور قوى الشر والاستكبار, وضحية أخرى تضاف إلى قائمة ضحايا ملجأ العامرية وضحايا سنوات الحصار وحرق الفلوجة، ومع تجمع قوات تابعة بشكل مباشر للجار الإيراني ووجود خبراء غربيين في ساحات الوغى ومع ظهور برنار ليفي عراب الخراب في أطراف المدينة ومع المتابعة الميدانية للتلفزيونات الصهيونية يمكن القول أن الموصل ستمسي أثرا بعد عين وأن معاناة الشعب العراقي ستستمر ما استمر في الحكم القادمون على ظهر الدبابة الأمريكية. والثابت أن مشاهد التنكيل لن تتوقف والتعتيم الإعلامي سيستمر حتى تصبح الخارطة الجديدة واقعا ملموسا أو حتى يستفيق أخوة يوسف من سباتهم العميق ويسعوا للتكفير عن خطيئتهم التي لا تغتفر.
معركة الموصل معركة الإدارة الأمريكية الباحثة عن إنجاز لتسويقه قبل الرحيل وعادة ما تقطف إيران أولى ثمار كل حراك أمريكي عسكري يليها الجانب الكردي الساعي لفرض كيانه في سوريا والعراق كمرحلة أولى والذي نعتقد أنه سيتم التضحية به في نهاية المطاف كما فعل الغرب في عشرينات القرن الماضي بالشريف حسين، أما الميليشيات التي تم شحنها طائفيا لتقود الحراك كما يراه الغرب فستستمر في جرائمها ما استمر الضمير الإنساني في سباته ولا مخرج للعراق والأمة من هذا المخطط ما دمنا أداة غبية بيد الأعداء.
يحدثنا تاريخ الأمم أن جرائم الإبادة الطائفية أو العرقية أو المذهبية تخرج من رحم التدخل الأجنبي والمطامع الغربية، ونضرب هنا مثلا دور فرنسا وبلجيكا في مجازر رواندا في تسعينات القرن الماضي حين دعمتا قبائل الهوتو في مذابحها بحق أقلية التوتسي فراح ضحية العبث الغربي مئات الآلاف من الضحايا، وإن أمكن لرواندا النهوض بعد ذلك وتأسيس واحد من أفضل الاقتصادات في إفريقيا فإن أمتنا تأبى كسر قيود الغرب وتستلذ العبودية وستبقى أرضا للقلاقل والأزمات والحروب الداخلية ما بقيت السيادة مفقودة وما بقيت الحدود الشرقية مكشوفة وفلسطين التاريخية محتلة وما بقي المارينز تضيق بهم شطآن العرب وصحاريهم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات