سياسيون: تضارب المصالح المصرية الإماراتية وراء تغير موقف القاهرة من الصراع الليبي

بعد سنوات من الانحياز لمشروع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تحوّل الدور المصري في ليبيا -على ما يبدو- نحو الحياد الإيجابي والوساطة بين طرفي الصراع، حيث اتخذت القاهرة مؤخرا عدة خطوات للأمام في هذا الصدد.

وتقدم مصر دعما سياسيا وعسكريا للواء المتقاعد خليفة حفتر، وصل ذروته الصيف الماضي، بالتلويح بالتدخل العسكري لصالح حفتر، بعد أن مُني بهزائم متلاحقة انتهت باستعادة قوات حكومة الوفاق -المعترف بها دوليا- السيطرة على الغرب الليبي بأكمله، بدعم تركي سياسي وعسكري.

ولاعتبارات إقليمية ودولية وتوازنات على الأرض، شهدت الأزمة الليبية في الأشهر الأخيرة تهدئة وسط مساع لاستمرار وقف إطلاق النار.

ووفق مراقبين، فإن تحول القاهرة في التعاطي مع الملف الليبي يعود إلى عدة متغيرات؛ أبرزها ضغوط المجتمع الدولي خاصة الأمريكي نحو تسوية سياسية، وتضارب المصالح المصرية الإماراتية، والتنسيق المخابراتي مع تركيا، وفشل مشروع حفتر وتحديه وفاق الشعب الليبي، إضافة إلى المصالح الأمنية والاقتصادية المصرية؛ خاصة العمالة المصرية في السوق الليبي، والثروة النفطية، ومشاريع إعادة الإعمار.

مصالح مصرية

تعززت فرص التحول المصري في المشهد الليبي بعد حراك دبلوماسي شهدته القاهرة وطرابلس، والذي تكلل بزيارة وفد مصري رفيع المستوى إلى العاصمة الليبية الأحد الماضي، قبل مباحثات هاتفية جمعت بين وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره بحكومة الوفاق محمد طاهر سيالة.

كما جاءت زيارة الوفد المصري بعد ساعات من زيارة قام بها وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى طرابلس، وذلك بعد نحو أسبوع من زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل لمدينة بنغازي (شرق)، ولقائه حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح.

ويرجع الدافع الأكبر لتدخل مصر في الأزمة الليبي إلى تأمين حدودها المترامية مع جارتها الغربية، والتي مثَّلت تهديدا مباشرا للعمق المصري.

كما تمثل مدينة سرت الواقعة بين الشرق والغرب الليبي أهمية إستراتيجية واقتصادية كبيرة لمصر، ووجود حكومة ليبية على وفاق مع القاهرة سيمثل دافعا لتسهيل استيراد النفط، خاصة أن المدينة تعد المدخل الأهم للهلال النفطي الليبي.

 واقتصاديا، كانت ليبيا من أكثر الأسواق جذبا للعمالة المصرية على مدار عقود، قبل أن تتضاءل أعدادها بحكم الأزمة الراهنة، في حين تسعى مصر إلى استعادة هذه المكانة مع تحول دول الخليج إلى بيئة طاردة للعمالة، خاصة بعد تفشي وباء كورونا.

وأظهرت معركة طرابلس ضعف قدرات قوات حفتر العسكرية، وغياب الحاضنة الشعبية له، إضافة إلى سرعة الحسم العسكري من قبل قوات الوفاق بدعم تركي كبير، بجانب زعزعة ثقة الليبيين في مصداقية الدول الراعية له.

وفي هذا الصدد، أكد أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق عبد الله الأشعل أن فشل مشروع حفتر على رأس أسباب تغير الموقف المصري، الذي تعزز باللقاءات الأخيرة مع ممثلي المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، والحديث عن عودة العلاقات الدبلوماسية.

وأكد الأشعل -في تصريحات صحفية- أن مشروع حفتر فشل -رغم دعمه بكل الطرق- بسبب التدخل التركي، وهو ما يعد خسارة لمصر، مشيرا إلى أن أحد أسباب التغير المصري يعود إلى تحدي حفتر للوفاق الأخير الذي يجمع شرائح الشعب الليبي.

واتفق مع طرح الدبلوماسي المصري السابق، المحلل السياسي والباحث في العلاقات الدولية طارق دياب، الذي أوضح أن القاهرة كانت لديها نية منذ فترة بعيدة في الانتقال من مربع الانحياز إلى الحياد الإيجابي والوساطة؛ لحفظ مصالحها، في حين مثَّل تغير موازين القوى وحدوث التوازن العسكري مع فشل حفتر دافعا لتغيير المسار المصري.

ويأتي على رأس الموقف الدولي الدور الأمريكي الذي يرفض الوجود الروسي في ليبيا، خاصة مع زيادة التنسيق بين القاهرة وموسكو وأبو ظبي لصالح حفتر.

ورأى الأشعل أن كل الأطراف الإقليمية الفاعلة في الملف الليبي “تأتمر بأمر أمريكي دون اللجوء لمنطق أو أبعاد أمنها القومي، وبالتالي تستمع كل الأطراف للتعليمات الأمريكية بالتهدئة”.

وشدد على أن المجتمع الدولي يتجه نحو تسوية سياسية وليست عسكرية في ليبيا، وبالتالي مصر لن تشذ عن هذا التوجه، وستنصاع له، وهو ما مثل أيضا لطمة على وجه حفتر.

بدوره، اعتبر دياب أن الموقف الأمريكي الضاغط نحو الحل السياسي في الملف الليبي يهدف -أساسا- إلى احتواء الدور الروسي المتصاعد.

الإمارات وتضارب المصالح

وأسهم البعد الإماراتي في تغير الموقف المصري، وفق دياب، مع تباين مشروعي القاهرة وأبو ظبي، خاصة مع تطبيع الأخيرة مع إسرائيل، واحتمالات تأثيراته الجيوسياسية السلبية على مصر في أكثر من ملف.

وأوضح دياب أن صانع القرار المصري يبدو أنه أدرك ضرورة أن يكون هناك تباين وتمايز مع الإمارات، ولو بشكل نسبي، وأن التطابق في كل ملفات الإقليم لم يعد ضروريا وملحا، خاصة مع الخط المستقيم الذي بدأت تتخذه أبو ظبي بشكل يؤثر سلبًا على المصالح المصرية.

وقال إن ذلك المتغير قد يكون سببا في أن يدفع مصر للتفكير بشكل مستقل نسبيا؛ لأن التحالف بين البلدين لا يزال قويًّا جدًّا ويصعب تفكيكه.

وذكر أن كلا الطرفين كانا يدعمان مشروع حفتر، لكن خلافهما جاء بسبب السيطرة والأدوات، مشيرا إلى أن مصر كانت ترفض المعارك الصفرية لاستحالة ذلك، على خلاف الإمارات.

شاهد أيضاً

خليفة نتنياهو المرتقب “بينيت”: 60% من الضفة الغربية جزء من “دولة إسرائيل”!

زعم رئيس قائمة “بِياحد” ورئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، نفتالي بينيت، والمرشح لخلافة نتنياهو حال فوزه …