عرضت إحدى القنوات الفضائية قبل أيام فيلم (عمر المختار)، ربما بمناسبة الذكرى الـ(86) لاستشهاده..
فقلت في نفسي ربما لو لم يسلط ابن حلب الشهباء؛ مصطفى العقاد, عدسات كاميراته على المجاهد العظيم عمر المختار، وينتج لنا فيلما يحكي سيرة الرجل، ويظهر بعضا من بطولاته لدفنت سيرة المحارب الكبير إلا بين شريحة محدودة من الناس.
فكم من شخصية مغمورة لم تأخذ حظها من الشهرة إلا من ناحية تناثر اسمها في بعض المناسبات والوثائق المغمورة أيضا.
شخصيات عظيمة لم تجد من يسلط الضوء عليها, كشخصية ابن زاوية المحجوب, التابعة لمصراتة؛ رمضان السويحلي؛ فالرجل ربما فاق جهادهُ جهادَ عمر المختار لكن الأخير سُلط الضوء عليه بعمل إعلامي كبير، جعل من سيرته الطاهرة قيمة عظيمة نجتمع حولها على موائد التربية.
لقد سافرت إلى ليبيا وكانت أكثر فترات إقامتي ببلدة رمضان السويحلي وفيها سمعت الأساطير عن الرجل وحياته وجهاده, ورأيت أكثر أهل البلدة يعظمون الرجل بطريقة صدمتني حقيقة، ذلك أن المختار عندي كان الرمز الأوحد لحركة الجهاد الليبي، لكني اكتشفت أن ليبيا زاخرة بالمجاهدين, وما المختار إلا واحد منهم، بيد أن الإعلام تناول سيرته بعمل متقن!
في تصوري لم يلعب الإعلام المحسوب على الإسلاميين دورا مؤثرا في نقل الصورة المشرفة لرموز وقادة هذه الأمة التي تتلقي الضربات من كل اتجاه، اعتمادا على التطور الحاصل في مجال التكنولوجيات الحديثة، بسبب وجود وسائط التواصل الاجتماعي وغيرها وما تلعبه من دور مهم في نقل الصورة الحية عن أهمية إبراز حياتهم ومواقفهم وبعضا من بطولاتهم، في حين فعل الإعلام المناهض للمشروع الحضاري للأمة الأفاعيل بقيم المجتمع؛ فغالبية الأعمال الدرامية لاسيما في رمضان تنال بشكل كبير من جملة القيم المتبقية، وكان لها دور مؤثر في نشر الثقافة الهدامة في المجمتعات العربية، وإعلاء القيم المادية على القيم الروحية، فضلا عن إبراز نماذج مشوهة تشجع البلطجة، وتنمي الحس الإجرامي، يتزاحم الصغار على مشاهدتها!
حينما غاب الفن الهادف، ولم يجد من ينبري له، وجد الفن الهابط مساحة كبيرة للحركة والنمو، وبات يؤدي دورا كبيرا في تربية المجتمعات وتنشئتها على العنف والأعمال الإجرامية في تجسيد واضح للنماذج السيئة في تلك المجتمعات، بشكل يصعب معه العلاج.
لعل أهم ما يميز العمل الفني أنه عابر للحدود والثقافات، يتجاوز الجغرافيا، ويستحضر التاريخ، ويساهم في حماية القيم الإيجابية بإبرازها وتسليط الضوء عليها، بأقل كلفة، وأسرع وقت، وهو ما لا يدركه كثير من المصلحين حتى الآن.
فعمل درامي متقن، بإمكانه أن يرتقي بالفكر والثقافة، ويؤثر في الإحساس والمشاعر، بما يساهم في نهضة الأمة وتطوير حضارتها، ذلك أنه يجمع بين متعة التخيل والإثارة ، والتنوير والتجربة الجمالية .
ليت لنا برجل كمصطفى العقاد، يبدع في طرح قضيتنا للرأي العام العالمي، ويقدم مشروعنا للغرب بشكل حضاري موضوعي لا يخلو من رقي وإحساس، وقيم مبنية على أساس، فيساهم بعدسات كاميراته في إزاحة الشبهات عن العرب والمسلمين الذين لا يجدون ما يدافعون به عن أنفسهم، في مجتمعات متربصة مشحونة بالعداء.
كان العمل السينمائي الذي ينوي العقاد إخراجه قبل وفاته فيلمًا عن (صلاح الدين الأيوبي) بعدما نجح في إبراز نموذج (حمزة بن عبد المطلب) في (الرسالة ) و(عمر المختار) في الفيلم الذي يحمل اسم البطل، في محاولة منه لإبراز رمز جديد من رموز الأمة بعيدا عن التشويه الذي أصابه في تجربة زميله يوسف شاهين.
فهل هناك من يكمل المسير؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات