شاهدان من غزة وراء اتهام نيابة روما 4 ضباط مصريين بقتل الإيطالي “ريجيني”

كشف تحقيق التلفزيون العربي بعنوان «جوليو ريجيني: الحقائق المدفونة» أن شاهدين من غزة كان معتقلين معه وراء اتهام نيابة روما 4 ضباط مصريين بتعذيب وقتل الطالب الإيطالي “ريجيني”، والمطالبة بالمؤبد و17 سنة سجن عليهما.

كان من أدلة إثبات تعذيبه في مقر أمني مصري توثيق الشاهدين تعذيب ريجيني وقد وقتلا في القصف الإسرائيلي في غزة لاحقا، حسبما ذكر الصحفي عبد المنعم محمود عبر فيس بوك.

في الثالث والعشرين من يونيو 2026، وفي القاعة المحصّنة بسجن ريبيبيا في روما، اختتم المدّعي العام المساعد سيرجيو كولايوكو مرافعةً امتدّت نحو سبع ساعات، طالبًا السجن المؤبّد للرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، وثلاثة أحكام بالسجن سبعة عشر عامًا ونصف العام لكلٍّ من اللواء طارق صابر والعقيد آسر كامل محمد إبراهيم والضابط هشام حلمي، في قضية اختطاف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. وأعلن كولايوكو أن البناء الإثباتي الرئيسي لاتهامه يقوم على إفادتَي مواطنَين فلسطينيَّين احتُجزا في منشأة أمنية سرية بالقاهرة، شهدا فيها على اقتياد ريجيني وتعذيبه

تلك الإفادتان لم تصلا إلى ملف النيابة من فراغ، بل عبر تحقيقٍ صحفي وثّقتُ خلاله شهادة الشابَّين، عام 2021 ونقلتُها بنفسي إلى مكتب المدّعي العام كولايوكو الذي التقيتُه في مبنى وزارة العدل الإيطالية بروما، حين استدعى فريق التلفزيون العربي للمثول أمامه بعد اطّلاعه على ما توصّل إليه التحقيق. واليوم، بعد خمس سنوات على بثّ تحقيق “الحقائق المدفونة” ضمن برنامج “شيفرة” على التلفزيون العربي، أكشف للمرة الأولى عن هوية هذين الشاهدَين، وظروف اعتقالهما، وملخّص ما شهدا به.

كانت شريكتي في هذا التحقيق الصحفية الفلسطينية ولاء الرنتيسي وهي التي قادتني للشاهدين والذين عملا معي على تحقيق آخر لم يكتب له النشر عن قضية اختطافهما في مصر

من هما، وكيف وصلا إلى زنازين القاهرة

هما عبد الدايم أبو لبدة وعبد الله سعيد عبد الرحمن أبو الجبين، شابّان فلسطينيان من قطاع غزة، عُرِّفا في التحقيق باسمين حركيين حمايةً لهما هما “شاهين” و”الطبيب”. كانا ضمن أربعةٍ اختُطفوا من باص الترحيلات المصري في مدينة رفح يوم التاسع عشر من أغسطس 2015، في واقعةٍ حمّلت فيها الفصائل الفلسطينية والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان السلطات المصرية مسؤوليتها، واعتبرتها أقرب إلى الاختفاء القسري بمعناه القانوني المتكامل. وخلال احتجازهما في المنشآت الأمنية المصرية، التقت مصائرهما بمصير الباحث الإيطالي الذي كان يُحتجز في المكان نفسه

ماذا رأيا… ملخّص الشهادة

بحسب ما وثّقه التحقيق على لسان الشاهدَين، رأيا جوليو ريجيني يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من يناير 2016، داخل مبنى تابع للمخابرات الحربية المصرية يقع في الحي العاشر بمدينة نصر شرق القاهرة. ووصفا المكان بأنه يبدو من الخارج كمبنى حكومي عادي، لكنه من الداخل سجنٌ أمني غير معترف به، أقرب إلى “مقابر للموتى” على حدّ تعبيرهما، يكتظّ بالمختفين قسرًا، وتجري التحقيقات فيه في ممرات الزنازين أو في غرفٍ مغلقة خلفها

في اليوم الأول، بحسب روايتهما، شوهد ريجيني خارجًا للتحقيق مكبّلًا وعليه آثار تعذيب واضحة، وسُمع المحقّق يناديه باسمه صراحةً، فيما وُجِّه إليه تهديدٌ مباشر مفاده أن إيطاليا لن تنفعه وأن أحدًا لن يعرف مصيره. وذكر الشاهدان أن أساليب ذلك اليوم شملت الصعق بالكهرباء والترهيب بالكلاب، وأن صراخه كان عاليًا، وبدا لهما أن وقع الترهيب النفسي عليه كان أقسى من الألم الجسدي. أمّا في اليوم الثاني فكان التعذيب أشدّ، حتى خرج ريجيني — على وصفهما — وكأنه “قطعة من القماش”، فاقدًا القدرة على الحركة، يُسحب على الأرض سحبًا، وكانت تلك آخر مرة رأياه فيها

كيف تحوّلت الشهادة إلى دليل قضائي

خضعت الشهادتان لتدقيق محامية أسرة ريجيني أليساندرا باليريني عبر وسائل اتصال مؤمّنة حفاظًا على سلامة الشاهدَين. وبخبرتها الممتدّة خمس سنوات في القضية، خلصت إلى أنهما صادقان؛ إذ تطابقت معلوماتهما رغم اختلاف ألفاظهما، ولم يطلبا أي مقابل مادي، وحين طرحت عليهما أسئلة اختبارية تعرف إجاباتها سلفًا أجابا بدقّة أو اعترفا صراحةً بعدم تذكّر بعض التفاصيل، وهو ما نفى أي نية للتلفيق. وبالتعاون مع رسّام جنائي، قدّم الشاهدان أوصافًا أثمرت رسمًا تقريبيًا لضابطين متورّطين، أحدهما مدير المقر السري والآخر برتبة لواء

ثم حملت باليريني هذه المادة — مذكرة رسمية وأقراصًا مضغوطة تضمّ المقابلات وهويات ورسوم الضابطين — إلى مكتب نائب المدّعي العام الإيطالي، الذي طلب على الفور تقديم الشهادات رسميًا، فاستُدعي فريق التلفزيون العربي للمثول أمامه بروما، وسلمناه المقابلات الخام التي أجريناه مع عبدالله وعبدالدائم بعد موافقاتهما، واتصال نائب المدعي العام بهما بشكل آمن، وبعد أيام، أعلن المكتب رسميًا ضمّ ثلاثة شهود جدد إلى القضية، من بينهم “شاهين” و”الطبيب”، في خطوةٍ عُدّت حاسمة في مسار كشف الحقيقة

النهاية التي لم يشهداها

ومن المفارقات القاسية أن الشاهدَين اللذين أنارا زاوية معتمة في واحدة من أبرز قضايا الرأي العام الدولي لم يُكتب لهما أن يشهدا فصلها الأخير، فقد استُشهد كلاهما في غزة خلال حرب الإبادة. فبحسب مصادر فلسطينية، استُشهد عبد الدايم أبو لبدة في الخامس عشر من يوليو 2025 في غارة إسرائيلية على برج الصفا بمخيم النصيرات وسط القطاع، فيما استُشهد عبد الله أبو الجبين في السابع من أغسطس 2025 مع زوجته وثلاثة من أطفاله في قصفٍ استهدف خيمتهم بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة

هكذا تكتمل دائرة القهر التي طاردت الشابَّين من زنازين القاهرة إلى خيام النزوح في غزة؛ شاهدان على جريمةٍ دولية لا تزال مفتوحة، سقطا تحت القصف قبل أن يَرَيا العدالة التي أسهمت شهادتاهما في الاقتراب منها

وأبلغتُ محامية ريجيني، أليساندرا باليريني، باستشهاد عبد الله وعبد الدايم، فحملت الخبر بدورها إلى نائب المدّعي العام وإلى أسرة ريجيني التي عرفت أن الشاهدَين على تعذيب ابنها قد لحقا به.

شاهد أيضاً

وزير خارجية سوريا يزور لبنان ويؤكد استعداده للقاء “حزب الله”

في ثان زيارة له لبيروت، يرُجح أنها تستهدف توضيح موقف سوريا من تصريحات الرئيس الأمريكي …