هذه الاحتفالية الكبري التي تابعها العالم علي أرض غزة مؤخرا بزيارة الوفد الأمني والإعلامي المصري، ترسم مشهدا جديرا بالتأمل وتبعث برسائل مهمة لكل الأطراف:
رسالة من حماس لأهل قطاع غزة .. الذين صبروا وصمدوا معها في مواجهة حصار دام أكثر من أحد عشر عاما، وتم خلاله التنكيل بهم في كل مناحي الحياة.. حصار افترسهم افتراسا ومع ذلك صبروا وصمدوا وتحملوا هدم بيوتهم وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة.
ولم يظهر في الأفق أي أمل لفك هذا الحصار بل يزداد ضراوة وفتكا، وتم تشديده من إخوة الدم والعقيدة بصورة غير مسبوقة (عباس والانقلاب العسكري في مصر), في وقت لم تتوقف فيه حملات تحريض شعب القطاع ضد الحركة من إعلام السلطة وإعلام الانقلاب، مع ملاحظة أن نسبة من شعب القطاع هم من أنصار عباس ودحلان، من بينهم من لا يكف عن التأليب والتعبئة ضد حماس, ونسبة أخرى لا يهمها – ككل الشعوب – غير حل مشاكلها اليومية التي باتت خانقة.
هنا نظرت حماس بتمعن للواقع وتعاملت معه بمصداقية ووجدت لزاما عليها حيال كل فرد في غزة بذل أقصى ما يمكن لفك هذا الحصار المُهلك، خاصة أن الحملات الإعلامية لم تتوقف عن اتهام حماس بعدم الاكتراث بالقطاع في سبيل استمرارها في الحكم.
تجرعت حماس السم – كما يقولون – ورحبت في القطاع بالذين ظلوا طوال أربع سنوات لا يكفون عن اتهامها بأبشع اتهامات الإرهاب والخيانة والعمل ضد مصر, ولفقوا لها قضايا صدرت فيها أحكام مشددة على رجال رحلوا من الحركة إلى الدار الآخرة في قضية ما يسمى باقتحام السجون المصرية خلال ثورة يناير وزعم قيامهم بالإفراج عن قيادات الإخوان التي كانت مختطفة آنذاك فيها بمن فيهم الرئيس محمد مرسي. ثم قضية تخابر أخرى يحاكم فيها الرئيس محمد مرسي الذي ناله في الأولى حكم بالإعدام (أعيدت المحاكمة) عقابا علي مزاعم تخابره مع حماس!
وفي الوجه الآخر من المشهد فإنها رسالة قوية تهز الرأي العام تعلن ضبط النظام المصري متلبسا بتلفيق كل القضايا التي نظرت وتنظر أمام القضاء ضد حماس وضد الرئيس مرسي, وتضبط ذلك الإعلام متلبسا بالنفاق واحتراف الكذب .. ويبرز السؤال: طالما أن حماس إرهابية وتعمل ضد الأمن القومي المصري فلماذا تذهب إليها وتمتدحها بعد طول سباب ولعنات؟!
هذا المشهد برمته وبصرف النظر عن نتائجه، الرابح فيه هي “حماس”، فحتى الآن لم نلاحظ أي تخل عن ثوابت الحركة ولا عن مبادئها وإن شاء الله لن يكون .. وغني عن البيان هنا أن من ثوابت حماس الانفتاح على كل الدول وخاصة العربيبة، وتوجيه بوصلتها نحو قضية واحدة هي القضية الفلسطينية، وقد كانت العلاقات وتبادل الزيارات بين قادة حماس والنظام المصري على قدم وساق في عهد مبارك الذي كان يحاكم الإخوان عسكريا، وكانت العلاقات فوق الممتازة بين حماس والنظام السوري الذي كان يحظر الإخوان المسلمين ويضع في قوانينه الحكم بالإعدام على كل من يثبت عليه الانتماء للإخوان. إذًا لا جديد في استقبال قادة حماس في غزة للوفد المصري سوى عودة المياه لما كانت عليه بعد قطيعة خشنة وخصومة عدوانية من قبل النظام والإعلام المصري .. وذلك يصب في صالح حماس الساعية لفك الحصار عن شعب غزة البطل.
المصالحة مع فتح
من يطالع سجل هذه المصالحة سيجد أن حماس أول من نادى بها وتحمس لها قبل سنوات، وأعربت حماس أكثر من مرة عن استعدادها للتخلي عن حكم غزة لمحمود عباس قبل ذلك أكثر من مرة، ولكن في إطار مصالحة شاملة تم الاتفاق عليها يتم من خلالها إشراك كل فصائل الشعب الفلسطيني في منظمة التحرير التي تحتكرها ” فتح” حتي الآن، وتعتمد الانتخابات الحرة طريقا لحكم وتمثيل الشعب الفلسطيني، لكن محمود عباس أفشلها أكثر من مرة مراهنا على أن حروب الصهاينة المتتالية على غزة كفيلة بإنهاء وجود حماس، فإذا بالحركة تخرج منها أقوى مما كانت بينما تتآكل شعبية عباس في وقت يكاد محمد دحلان غريمه الأشرس والأقرب للصهاينة يدحرجه خارج الساحة، خاصة بعد أن أبدت حماس عدم ممناعة من الحوار معه وكادت تصل في ذلك إلى نتائج، فسارع عباس لقطع الطريق على دحلان (الاثنان يتسابقان على إرضاء الصهاينة). وها قد سلمته حماس غزة لإدارتها ضمن إدارة الضفة، فهل يتابع عباس مسئولياته ويدير القطاع ويفك الحصار الذي استمات في تشديده طوال أحد عشر عاما؟ السؤال سيوجه لعباس من أهل غزة منذ اليوم؟
أعتقد أن السلطة ستدير كل شئ في غزة بكل حرية وستساعدها حماس وبقية الفصائل بكل ما تملك تخفيفا للحصار وتحقيقا لوحدة الشعب الفلسطيني في مواجهة عدو شرس، واعتقد أن سلاح المقاومة وأسرى العدو سيظلان ملفين بعيدين عن أي تفاوض.
فهذا السلاح هو الذي حقق ما فشلت فيه الجيوش العربية على امتداد سنوات الصراع: حقق توازن الرعب مع الصهاينة .. صمد في ثلاثة حروب وأفشل كل أهدافها .. أسقط من العسكريين الصهانية بين قتيل وجريح وأسير ما لم يحدث في أي حرب عربية مع الصهاينة، وهو السلاح الذي يرتعد منه اليوم الكيان الصهيني خاصة بعد علمهم بحدوث طفرة في تطويره … هو شرف حماس والأمة وهو روحها التي بين جنبيها، واعتقد أن ما كشفته مؤخرا وسائل إعلام صهيونية عن انتخاب السيد صلاح العاروري مؤسس كتائب القسام في الصفة الغربية نائبا لرئيس المكتب السياسي لحماس يسقط أي تكهنات عن تنازلات جوهرية من قبل حماس وخاصة ما يتعلق بسلاح المقاومة أو الأسرى بل يؤشر إلى أن قيادة الحركة العليا باتت من الصقور الذين لا يعرفون أي هواده في التفريط بثوابت حركتهم.
ولقد هضمت تلك الحركة درس التاريخ جيداً واستوعبت تضاريس القضية الفلسطينية منذ نشوئها وتطورات مراحل الصراع فيها، ووعت جيدا ما جرى عبر مسيرة تفاوض السلطة الفلسطينية مع العدو وما تخللها من تنازلات وتخلٍ عن الكفاح لتحرير الأرض وعقد اتفاقيات «سلام» ثبت أنها حبر على ورق منذ مدريد حتى اليوم، فلم تحرر أرضا ولم توقف عدوانا ولا استيطانا.
وبيت القصيد – في رأيي – في هذا الالتئام الكبير للوفد المصري مع وفد السلطة على أرض غزة هو الوصول مع حماس علي المدى غير البعيد لصفقة متكاملة يظفر فيها الكيان الصهيوني بهدنة طويلة الأمد مع حماس ويسترد أسراه بمقابل غير قليل لحماس من الأسرى الفلسطينيين مع فك الحصار، وقبل ذلك تمكين عباس من إدارة غزة ومعابرها، ولا أعتقد أن حماس تمانع في ذلك طالما سيتحمل مسئوليته كاملة عن الحياة اليومية لشعب غزة البطل.
ومن جهة أخرى فإن تحقق ذلك سيكون نظام الانقلاب في مصر قد حقق إنجازا يستعيد به ملف القضية بما يمكن أن تكون أحد مسوغات استمراره في حكم مصر خاصة أن حماس يمكن أن تساعده بخبرتها في ضبط الوضع في سيناء التي باتت خارج سيطرته!
وبعد..
عندما تبيع حماس فإنها تبيع نفسها والدنيا كلها لله فداءً لعقيدتها ثم لوطنها المحتل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات