الحرب على الفساد في تونس تواجه صعوبات جمه، باختصار هذا ما أعلنه رئيس الحكومة في تونس يوسف الشاهد.
التصريح أثار الكثير من الجدل بين فئات ثلاث، فئة تشكك لعدم ثقتها في قدرة الشاهد وفريقه الحكومي على المضي قدما في هذه الحرب خاصة وأن شبهات الفساد تطال وزراء ومستشارين فاعلين في أجهزة الدولة، وفئة ثانية داعمة تعتقد بقدرة رئيس الحكومة على المضي في محاربة الفساد، وفئة ثالثة متحفظة تعتبر ما تم اتخاذه من إجراءات غير كافٍ للقول أن هناك حربا حقيقية على الفساد وتنتظر المزيد
فالقبض على رجلي الأعمال الكبيرين شفيق جراية وخالد القبي والإعلامي سمير الوافي ومسؤولين سابقين في الجمارك (الديوانة) وبعض المهربين لا يمكن اعتباره حربا على الفساد بالنسبة لهؤلاء، كما أن رجل الأعمال شفيق جراية ملاحق الآن من أجل شبهات تتعلق بالتآمر على أمن الدولة والتخابر والتعامل مع جهات وجيوش أجنبية وهي تهم خطيرة تصل عقوبتها إلى الإعدام ويتعهد بها الآن القضاء العسكري.
إجراءات استثنائية
وعن «الحرب على الفساد» يقول وهيب الدرويش عضو الهيئة الوطنية التونسية لمكافحة الفساد في تصريحات صحفية إن الإجراءات التي اتخذها رئيس الحكومة استثنائية في مرحلة استثنائية تمر بها البلاد، وتأتي في إطار مجهودات وطنية بين مختلف الأطراف من حكومة وهيئات رقابية؛ خاصة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، إضافة إلى بعض مكونات المجتمع المدني.
وحسب الدرويش فهذه الإجراءات أعادت ثقة الشعب في مؤسسات الدولة، وجعلته شريكا أساسيا في مكافحة الفساد كما أدخلت الاضطراب على مافيات الفساد التي ظنت أنها بعيدة عن المحاسبة بسبب تراخي وتواطؤ الحكومات السابقة.
ويضيف: «لقد توليّ شوقي الطبيب رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في 6 يناير 2016 وأحدث ذلك منعرجا هاما في الحرب على الفساد بعد أن عانت الهيئة من التهميش والاقصاء لسنوات، حيث قام بترفيع عدد موظّفي الهيئة من 11 إلى ما يقارب 80 موظفا مكونا بذلك جيلا جديدا من مكافحي الفساد بدأت نتائج عمله في الظهور في وقت وجيز، إضافة إلى اقرار مشروع حماية المبلغين الذي رفع الحرج عن المبلّغين على الفساد».
ويعتبر الدرويش أن الفساد متغلغل في تونس في أجهزة الدولة وفي جميع القطاعات, وتفكيكه يتطلب استراتيجية طويلة المدى، وللهيئة دور في تهيئة الإطار اللازم لمكافحة الفساد قبل فسح المجال للهيئة الدستورية التي أقرها الدستور التونسي الجديد أي هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
ومن الملامح المشجعة التي تبقي على بصيص من الأمل، حسب الدرويش، أنّ مكافحة الفساد أصبحت برنامجا أمميا بعد اصدار مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة لاتفاقية مكافحة الفساد، مّا يزيد في دعم المجتمع الدولي للقضية.
صعوبات عديدة
ويرى الدرويش أن حرب تونس على هذه الآفة تعرف صعوبات عديدة أهمها مادية. فميزانية الهيئة تكاد لا تكفي أجور الموظفين رغم أنّ عددهم قليل مقارنة بالملفات الواردة على الهيئة وقد اضطرّت الهيئة لتسريح عدد من الموظفين لعدم قدرتها تسديد أجورهم.
ويضيف أن هناك عاملا آخر يعيق عمل الهيئة وهو أن صلاحياتها المحدودة، إضافة إلى عدم تعاون هياكل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية، كما أنّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، تتعرّض لضغوط من مافيات الفساد مثل حملات التشويه والاعتداءات المتكررة والتستّر على الفاسدين ومضايقة المبلّغين.
دون سابق إنذار
ويقول رمزي الخليفي المحامي والناشط السياسي والحقوقي التونسي لـ”القدس العربي” إن الحرب على الفساد انطلقت منذ فترة وجيزة دون مقدمات أو سابق انذار، إذ تم القبض، على عدد من رجال الأعمال النافذين الذين تحوم حولهم شبهات فساد كبيرة وبعض المهربين الكبار، وتم وضعهم تحت الإقامة الجبرية ومصادرة أملاكهم ومنهم من أحيل على القضاء العسكري بتهمة التآمر على أمن الدولة.
وقد خلفت هذه الإجراءات الفجائية، ردود فعل مختلفة، فهناك من اعتبرها مجرد ذر رماد في العيون ومحاولة للتغطية على التحركات الاجتماعية المتأججة وخاصة ما يحدث في منطقة الكامور في الجنوب التونسي.
وهناك من اعتبرها مجرد ردة فعل وانتقام شخصي لرئيس الحكومة من رجل الأعمال شفيق جراية الذي أهانه على الملأ وفي وسائل الإعلام واعتبره عاجزا عن سجن «عنزة».
وهناك من يعتبرها حملة انتخابية سابقة لأوانها وهروبا إلى الأمام ومحاولة من رئيس الحكومة لتخفيف الضغط السياسي على حكومته, وهناك في المقابل من يعتبرها خطوة إيجابية يجب دعمها وإنجاحها بغض النظر عن التخمينات وراء أسبابها الحقيقية.
انعكاسات إيجابية
ويعتقد الخليفي أن المعركة المعلنة ضد الفساد تكتسي أهمية بالغة رغم انها تأخرت كثيرا، إلا أنها مع ذلك، سوف تكون لها انعكاسات ايجابية كبيرة على الدولة ومؤسساتها وعلى الاقتصاد التونسي والسلم الاجتماعي, فالفساد انتشر بشكل كبير في مختلف القطاعات وتنامى بوتيرة سريعة جدا خاصة بعد «الثورة» وأصبح ينخر قطاعات وأسلاك حساسة وهامة كالجمارك والقضاء والأمن وغيرها، وبات يكبّد الدولة خسائر فادحة بسبب استشراء ظاهرة التهريب والاقتصاد الموازي.
ويؤكد الخليفي على أن صرخات قد تعالت من هنا وهناك تحذر من تغول الفساد وخروجه عن السيطرة لدرجة أنه أصبح يهدد كيان الدولة، وفي هذا الإطار جاءت كلمة رئيس الحكومة التي قال فيها «إما الفساد وإما تونس وأنا مثلكم اخترت الدولة واخترت تونس». ويرى الخليفي أن أولى ثمار المعركة ضد الفساد هو بداية استعادة الثقة بين أفراد الشعب التونسي ومؤسسات الدولة، وكذلك التفاعل الإيجابي الذي لاقته هذه «الحرب» على الساحة السياسية، وإعلان جل الأحزاب مساندتها للحكومة في هذه الحرب ودعمها لجهودها في هذا الإطار.
فراغ تشريعي
ويضيف: «تجدر الإشارة إلى أنه رغم أن مصطلح الفساد يكاد يكون الأكثر انتشارا واستعمالا في تونس منذ سنة 2011 فالكل يتحدث عن الفساد وملفاته وقضاياه، إلا أننا لا نجد إطارا قانونيا متكاملا يعرفه ويتصدى له » .
ولعل النص الوحيد في القانون التونسي الذي عرف الفساد هو المرسوم الإطاري الذي صدر بعيد الثورة وهو المرسوم عدد 120 لسنة 2011 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحـة الفساد الذي نص على أنه يقصد بالفساد: “سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية”، ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال، وهو تعريف جيد ومتكامل إلا أنه غير كاف لخوض حرب ضد الفساد في تونس.
فالحرب تتطلب الإعداد والتحضير وتهيئة الوسائل والأدوات والتي من أهمها الترسانة القانونية الضرورية، وبالرجوع إلى القوانين التونسية نجدها منقوصة وشبه عاجزة عن مواجهة هذا الغول الذي تغلغل في السلطة والإعلام ومختلف مؤسسات الدولة، ولعل لجوء رئيس الحكومة في هذه الفترة إلى قانون الطوارئ وإلى قوانين استثنائية يؤكد أن المعركة انطلقت دون استعداد محكم ما يجعل مجلس نواب الشعب مطالب بالإسراع بإصدار قوانين صارمة ورادعة تضمن حسن التصدي للفساد وتتماشى مع فداحة الجرم المقترف”.
الفساد السياسي
ويضيف الخليفي: «إن الفساد المالي والإداري ولئن كان ظاهرة اجتماعية خطيرة تنهش مؤسسات الدولة وتكبد اقتصادها خسائر فادحة تعطل النمو والتنمية وقد تؤدي إلى الانهيار, إلا أن هناك فسادا هو أكبر في نظري، وهو أخطر الأنواع على الإطلاق ألا وهو الفساد السياسي».
ولعل المتابع للشأن العام في تونس منذ الثورة يلاحظ وجود حديث كبير متواتر عن وجود فساد في الميدان السياسي ومال سياسي مشبوه، وهناك شراء للذمم أكدته أطراف عديدة أدت إلى ما يسمى «السياحة النيابية» أي التغيير المستمر للكتل النيابية لعديد النواب ويقال ان هذا الأمر يتم في أغلب الأحيان بمقابل مالي.
خطة محكمة
ويربط كثير من المراقبين بين الظهور الأخير لصهر الرئيس الهارب بن علي؛ عماد الطرابلسي، وإدلائه بشهادته لهيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بملف العدالة الانتقالية، وبين انطلاق الحرب على الفساد في تونس بحسب تقرير نشرته صحيفة “القدس العربي”، حيث تحدث الطرابلسي عن أسماء لمتورطين من القطط السمان وفجر مفاجآت بالجملة.
لكن هناك حديثا عن أن رئيس الوزراء بدأ الإعداد لحربه على الفساد قبل ظهور الطرابلسي في الإعلام الذي نقل فعاليات جلسة الاستماع لهيئة الحقيقة والكرامة في إطار خطة محكمة يبدو أنها تجد الدعم من أطراف خارجية ويبدو أنها سترفع من شعبية الشاهد قبيل الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في 2019.
كما أن هناك حديثا عن أن هذه الخطة ستشمل القبض مستقبلا على أسماء أخرى من الحجم الثقيل. يشار إلى أن أهم من تم القبض عليهم في إطار هذه الحرب هم رجلا الأعمال خالد القبي وشفيق جراية الذي تجاوزت شهرته حدود تونس، وياسين الشنوفي وهو مرشح سابق لرئاسة الجمهورية والإعلامي سمير الوافي إضافة إلى قيادات أمنية منهم المدير العام للأمن السياحي صابر العجيلي الذي كان رئيسا للوحدة الأمنية للبحث في جرائم الإرهاب، بالإضافة إلى قيادات ديوانية من الصف الأول ومهربين كبار.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات