ظاهرة الأطفال المتسولين فى المغرب تثير قلق المجتمع المدنى

ظاهرة الأطفال المتسولين من الظواهر التي تثير قلق المجتمع المدني بالمغرب، خصوصا أمام تناميها و ازدياد عددهم بالمدن المغربية الكبرى يوما عن يوم، بدون ملجأ ولا مسكن، فهم يتخذون بعض الأماكن و الحدائق المهجورة مكانا للمبيت ، مفترشين الأرض و ملتحفين السماء. معظمهم – للأسف – ينحرفون، فيتعاطون التدخين و المخدرات بل الكحول أيضا، و قد يتطور الأمر ليصل إلى حد الإجرام والسرقة في عدد من الحالات، و لا أحد يستطيع أن يلومهم لوما مباشرا، فهم ضحايا قبل أن يكونوا أي شيء آخر ، ضحايا عوامل مجتمعية و اقتصادية لم ترحمهم و لم تترك لهم فرصة للخيار أمام صعوبة الظروف التي يعيشونها.

ورغم المجهودات التي تبذلها وزارة الأسرة والتضامن والتنمية الاجتماعية التي تبقى ضعيفة بشهادة بعض الأطر التربوبة بالجمعيات التي تهتم بهذه الفئة، مؤكدين أن السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة بالمغرب أهم مشروع يجب تطبيقه لفائدة الأطفال بشكل عام، مضيفين أنه على الوزارة مضاعفة مجهوداتها من أجل ضمان غد أفضل لهؤلاء الأطفال .

من جهة أخرى أكد البعض الأخر أن الوزارة المذكورة سجلت انخراطها في عدة ورش وبرامج مهمة لفائدة الأطفال، فضلا عن انفتاحها على جمعيات المجتمع المدني، كما أنها هي الحاضنة للسياسة العمومية لحماية الطفولة بالمغرب

أسئلة دفعت بنا للنزول الى شوارع العاصمة المليونية، التي يؤرقها ضجيج السيارات والحافلات على إيقاعات الزمن السريع، ورتابة الأيام التي تتوالى عليهم وهم على نفس الحال، اغلبهم جاءت بهم قساوة العيش، وظروفهم الاجتماعية لامتهان التسول، ففي الوقت الذي يتعلم فيه أقرانهم أبجديات القراءة والتكوين والحِرف وينعمون بدفء وحنان أسرهم تجدهم يجولون شوارع الدارالبيضاء طولا وعرضا، جماعات وفرادى يتحينون فرصة الحصول على درهم أو درهمين، اختلفت ظروفهم وحرموا من الاستمتاع بلحظات الطفولة، قاسمهم المشترك الحرمان والفقر والمعاناة الاجتماعية و التسول في الشارع العام. أغلبهم تعود على هذا النمط من العيش والبعض الأخر سلك هذا الدرب لعله المنقذ من مأساته الاجتماعية التي يعيشها، يتفننون في طرق التسول ويواكبون جديد المهنة إذ صح التعبير.

لقد أضحت أحلامهم موقوفة التنفيذ بعدما اقتلعهم القدر من أحضان أسرهم الدافئة، ليزج بهم في عوالم مجهولة المعالم، وتتحول حياتهم إلى جحيم يكتنفها الغموض ويطبعها اليأس ويسمها الحرمان، من السهل التعرف عليهم وهم يمدون يدهم للمارة ولرواد المقاهي وزوار المحلات التجارية وركاب الحافلات وأمام شباك التذاكر بمحطات الطرامواي، بملابس رثة، ووجوه شاحبة وعيون ذابلة وعبارات “الله ارحم الوالدين، الله أسهل عليك، درهم نشري خبزة” عبارات لا تفارق شفاههم، قساوة المنظر حملتني بالسؤال لإحدى الفتيات المتسولات أمام محطة “الطرامواي” بساحة الأمم المتحدة وسط المدينة.

إيمان، هكذا ادعت اسمها، طفلة لم تبلغ بعد سنتها 10، بملابس رثة تبدو علامات الفقر والحرمان على وجهها الذي لفحته أشعة شمس الصيف الحارقة، قائلة: “أنا انتمي لمدينة برشيد، خرجت من المنزل منذ شهور ولم أجد بعد أي عمل لذلك لجأت للتسول قصد توفير قوتي اليومي، فأمي توفيت منذ سنة وأبي تزوج امرأة ثانية فلم استطع تقبل الأمر وخرجت من المنزل للشارع دون تحديد وجهتي إلى أين، خاصة وان زوجة أبي بدأت تضربني، وتطالبني بالرحيل بدعوى أنني مصدر إزعاج لها في البيت”.

الطفلة إيمان ما هي إلا واحدة من آلاف الأطفال الذين اختاروا الخروج للشارع، هربا من ظروفهم العائلية والاقتصادية، بحثا عن ترياق في الحياة. غير بعيد عن إيمان لفت انتباهي طفل في الجهة المقابلة لنفس المحطة يترصد المارة بخطوات متسارعة وأقدام صغيرة يسابق خطوات الراجلين بالشارع العام، بنبرات ملؤها الأنين يردد بإلحاح عبارات لاستعطافهم، فمن تحركه مشاعر العطف يتفاعل مع حالته ويمده ببعض الدراهم أو درهم، ومن تعذر عليه ذلك لسبب أو لأخر يكتفي بالتلويح بيده مترجما عبارة لا أريد أو لا املك دراهم لمساعدتك، ليعود مطأطئا رأسه وإعادة المحاولة مع كل من توسم فيه أمل المساعدة.

تتبعت نظراته لبضع دقائق، والتي كانت تلاحق خطوات بعض الأطفال في عمره برفقة أبائهم يمسكون بأيديهم بعض الحلويات والبالونات، تقدمت نحوه بخطوات قليلة، وقبل أن أبادر بالحديث إليه تمتم بعبارة قائلا: “سعداتكم” “سعداتكم”، عبارة دفعتني بالتوجه نحوه لمعرفة قصته الكاملة؛ خالد طفل يبلغ من العمر 12 سنة، ضاعت أحلامه بين آب سكير وأم قاسية كما يروي، حرم عطفها منذ سنواته الأولى، مثلما حرم عطف أبيه في بيت كانا يكتريانه بحي شعبي بضواحي الدارالبيضاء، يقول خالد كنت احلم دائما أن أصبح شرطيا، وأكون بصحبة أمي وأبي معا في بيت كبير، إلى أن أفاجأ بوجودي في الشارع، أتسول الناس الدراهم لتوفير قوتي اليومي بعيدا عن أسرتي التي أصبح كل في مكان بعد طلاقهما. شهادتان

شاهد أيضاً

هيئات إسلامية: خطة ترامب تصفية للقضية الفلسطينية

أصدر عدد من المؤسسات والهيئات العلمية والدعوية، إلى جانب عشرات العلماء من مختلف الدول العربية …