بعد استقرار الرئيس ياسر عرفات في الأراضي الفلسطينية عام 1994 سأله أحد زواره: لماذا جلبت معك هذا الكم من الوجوه العفنة التي لفظها الشعب؟
فأجابه عرفات: إنني داخل إلى مستنقعات ومجاري وهي تحتاج إلى بساطير لأستطيع المرور خلالها، وهؤلاء هم البساطير التي سأدخل بها هذه المجاري القذرة والمستنقعات!
في عهد عرفات ( 1994 ـــ 2004 م ) تحققت نبوءة صلاح خلف عندما تخوف من أن تصبح الخيانة وجهة نظر بفعل هؤلاء الذين عاثوا فساداً في الأرض والشعب الفلسطيني.
وباقي القصة معروف للجميع، فقد تم حصار, ومن ثم اغتيال عرفات حتى تفتح الطريق أمام هؤلاء للتعايش الذليل مع العدو الإسرائيلي.
استلم محمود عباس قيادة المنظمة والسلطة وحركة فـتح منذ عام 2005 م ، واكتشف الفلسطينيون أن الخيانة في العهد الجديد “أسلوب حياة”!
وفي زمن ” الخيانة و جهة نظر”، والخيانة ” أسلوب حياة”, عاش الفلسطينيون سنوات من القهر والغم والضياع السياسي والاقتصادي وفقدان الثقة بالقيادة.
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” أصبحنا نرى أشخاصًا ــ لم نسمع بأسمائهم في مسيرة الثورة ــ يتباهون ويفاخرون ببطولات غير موجودة لديهم ولا يعلمون هم أنفسهم شيئاً عنها!
كل شخص ينسب إلي نفسه أعمالاً وبطولات وعمليات عسكرية لم يقم بها ولم يحلم في يوم من الأيام القيام بها، وظهرت طبقة جديدة من المنتفعين والمتسلقين الذين احتلوا مناصب ليسوا أهلا لها، واعتبروا أنفسهم فوق القانون، وفوق الضوابط والحسابات، وحجة كل واحد فيهم أنه محرر الأوطان وقاهر الأعداء!
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة ” أصبح هؤلاء قادة لأجهزة أمنية في الضفة الغربية، وكل خبراتهم أنهم على استعداد للقضاء على الانتفاضة، وعقيدتهم أن رجال الشرطة الفلسطينية عبارة عن مجموعة من أكياس الرمل تتلقى الرصاص دفاعـًا عن مواخير وبارات ومقاهي تل أبيب، وبيوت المستوطنين!
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” فقدت البندقية الفلسطينية بوصلتها، وأصبحت موجهة في خدمة الجانب الإسرائيلي.
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة” أصبحت البندقية الفلسطينية موجهة لصدور أبناء الوطن، وليت الأمر توقف عند هذا الحد بل تعداه إلى اقتحام الأجهزة الأمنية للمخيمات الفلسطينية في بلاطة والأمعري وجنين ونابلس، وقتل أبناء الشعب بالرصاص والهروات واللكمات والأحذية بدم بارد.
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” ظهرت طبقة من مسؤولي السلطة تهيم عشقاً بكل ما هو إسرائيلي، معتبرين أن إسرائيل هي مبرر وجودهم وعزهم، وهي العمق لهم بدلاً من العمق العربي.
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة” رفعنا شعار ” التنسيق الأمني مع العدو مصلحة فلسطينية “, هذا التنسيق الذي لم يجلب لنا سوى الانقسام وتدمير النسيج المجتمعي والذل والعار أمام العالم باعتبارنا نعمل ومن خلال هذا التنسيق لخدمة وحماية الاحتلال ووكلاء عنه في قمع شعبنا، وقتل كل روح وطنية فيه، والذي كان من ثماره جمع السلاح ، واعتقال المجاهدين وما رافق هذا الاعتقال من إهانة وإذلال، واعتراف رئيس جهاز المخابرات العامة في السلطة اللواء ماجد فرج “جنرال التنسيق الأمني” بأن قواته نجحت منذ بداية “إنتفاضة السكاكين” في أكتوبر 2015 م في إحباط أكثر من 200 عملية ضدّ الاحتلال، واعتقال 100ناشط, وداهمت عشرات المنازل وصادرت كميات كبيرة من الأسلحة خلال ثلاثة شهور.
( قال محمود عباس خلال لقائه مع صحفيين وإعلاميين إسرائيليين في رام الله يوم 21 / 1 / 2016 م : أجهزتنا الأمنية عملت هنا كي لا تصل نقطة دم إلى إسرائيل .. ” يالله بكرا راح يقولوا عني جاسوس لإسرائيل خليهم يقولوا! “) .
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” كانت الاعتقالات التي تقوم بها الاجهزة الامنية الفلسطينية للمجاهدين من حركتي حماس والجهاد، تستخدم للابتزاز، أي مطالبة أهالي المعتقلين بدفع مبالغ مقابل الإفراج عنهم!
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة” تم اعتقال الآلاف من عناصر حماس والجهاد حيث مورس ضدهم أبشع أنواع التعذيب، ومنهم من استشهد داخل المعتقلات، ومنهم من تم اغتياله خارج السجون ( محمد رداد ومجد البرغوثي وعبد المجيد دودين ومحمد ياسين ومحمد السمان وغيرهم).
( لم يخف محمود عباس في تصريحات نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية اعتزازه بالإجراءات القمعية التي تمارسها أجهزته الأمنية بحق أجنحة المقاومة وسلاحها في الضفة الغربية المحتلة، بل زاد على ذلك حين أعرب عن فخره بالقضاء على البنية التحتية لحركتي “حماس” و” الجهاد الإسلامي”، وحل” كتائب شهداء الأقصى”؛ الجناح المسلح لحركة فتح, حيث سلم أفرادها السلاح مقابل أن تعفو عنهم إسرائيل!) .
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” ظهوت فئة من موظفي السلطة والمسؤولين قامت باستغلال حاجة المواطن بدلاً من مساعدته، واستفادت من الحصار الذي فرضته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، فعمل أفرادها وسطاء مع الجانب الإسرائيلي لحصول المواطن الفلسطيني على تصريح لزيارة إسرائيل للعلاج، أو العمل، أو بطاقة هوية للعائدين وتسوية أوضاع مطلوبين للأمن الإسرائيلي مقابل مبلغ مادي!
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة” ظهرت قيادات ساهمت وتساهم في التحريض على حصار أكثر من مليونين من أبناء شعبها إلى درجة الموت، بل وتطلب وتتوسل من العدو الصهيوني تدمير قطاع غزة على روؤس أبنائه لأنهم فضلوا المقاوم على المساوم!
( قال سفير السلطة في مجلس حقوق الإنسان في جنيف: إن صواريخ المقاومة التي تنطلق تجاه إسرائيل هي جريمة حرب، وجريمة ضد الانسانية لأنها تستهدف مدنيين، والجيش الإسرائيلي يُعلم المواطنين الفلسطينيين بضرورة إخلاء المنازل قبل القصف .. وإذا حدث قتل يكون قتلاً من باب الخطأ وليس قتلاً متعمداً “) .
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” قتل شباب الانتفاضة عشرات من الجنود والمستوطنين الصهاينة الذين دخلوا الضفة الغربية.
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة” تقوم أجهزة أمن السلطة بإعادة كل من تعثر عليه من الإسرائيليين بزعم أنهم مستوطنين، غير أنه قد تبيّن أنهم جنود وعناصر من وحدات المستعربين تدخل الأراضي الفلسطينية لتنفيذ عمليات عسكرية ضد نشطاء الانتفاضة.
( قال محمود عباس في مؤتمر دافوس الاقتصادي في الأردن إن الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية أعادت إلى الاحتلال خلال عام 2012 م 96 جندياً إسرائيلياً معززين مكرمين، دخلوا بالخطأ إلى الضفة الغربية، ونخن فخورون بذلك، نحن ننسق أمنياً مع الاسرائيليين، ومنذ ست سنوات لم تحدث مشاكل بين الضفة وإسرائيل) .
في زمن ” الخيانة وجهة نظر” أصيبت أجهزة الأمن الفلسطينية بحالات من الترهل الثوري والتسيب، حيث أكد قائد المخابرات في الضفة الغربية توفيق الطيراوي إن كل عملاء الموساد في الأراضي الفلسطينية معروفين للأجهزة الأمنية الفلسطينية.
وفي زمن الخيانة ” أسلوب حياة” قام رئيس السلطة باعتباره عرّاب التنسيق الأمني, حين تسلم رئاسة السلطة عام 2005 م باعادة الاعتبار لـ 760 عميلا ، وتقنين قيودهم على قوائم الأجهزة الأمنية.
وبعد:
لا يحتاج الأمر إلى تعليق .. ولا شك في أن الفلسطينيين الذين قدموا مئات آلاف الشهداء منذ مطلع القرن الماضي في مواجهة الغزوة الصهيونية لبلادهم لن يقبلوا أن تداس كرامنهم من شرذمة قليلة تمسحت بلباس الوطنية، وعاثت فسادًا بين أبناء شعبها، وأصبحت خنجرًا مسمومـًا في ظهر القضية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات