عامر شماخ يكتب :مصر بعد «كورونا»

ستمر محنة «كورونا» -إن شاء الله- سواء بهذا القدر البسيط من الإصابات والخسائر أو تحوَّر «الفيروس» كما يتوقع البعض، فتصير -لا سمح الله- كارثة بشرية. ستمر المحنة على أى حال، سائلين الله ألا يُبتلى الناس بأكثر مما ابتُلوا به..

لكن.. كيف سيكون العالم بعد هذه المحنة عمومًا؟ وكيف ستكون «المحروسة» خصوصًا؟ الواقع أنه سيحدث تغيير كبير، على المستويين المحلى والدولى، ستتقدم دول، وتتأخر أخرى، وستبرز قضايا ويتلاشى مثلها، وستتبدل الأولويات، وتتحول العلاقات، وما كان مسموحًا به ربما صار محرَّمًا، والعكس كذلك، والكيس من استثمر هذه الأوضاع فنجا، أو غفل عنها فانضم إلى قائمة الضائعين.

أيًّا كانت المدة التى سيستغرقها الوباء حتى يتعافى العالم منه -فإنها ستترك تأثيرًا كبيرًا على الاقتصاد العالمى، في ظل تعطل وسائل الإنتاج، والصرف على الكارثة (أمريكا والصين أنفقت كل واحدة منفردة ما يزيد على 2 تريليون دولار حتى الآن)، وفى ظل (عالمية المحنة) حيث تقطعت أوصال الدنيا، وعمّ الفزع أرجاء المعمورة، وصار كل بلد بمثابة محجر صحى منعزل، وكأن حربًا قائمة بين «كورونا» من ناحية والبشر من ناحية أخرى، وما بين لحظة وأخرى نسمع عن أرقام جديدة، وانتصارات وهزائم، والكل ينتظر النتيجة النهائية التى على أثرها يتحدد مصير البشرية.

سيجد العالم نفسه -قريبًا- فى أزمة اقتصادية لا تقل عن «أزمة 29/1930»، وسوف تنهار كيانات ظلت تحتل القمة لعقود، وسوف تنحل تكتلات، وسوف تتسارع التوترات، وتختل المجتمعات، وسوف يُصرع اقتصاد بعض الدول كإنسان انقطع عنه الأكسجين فصار رهين غيبوبة تركت أثرها على جسده الهزيل.

وسيظل العالم يسدد فاتورة هذه المحنة لفترة. وبعدما تمر أوقات العزاء والمواساة سيجد كل بلد نفسه كإنسان احترق بيته، لا يفكر إلا فى ذاته، وقد أنساه الحريق خططه السابقة، وبدَّل أولوياته، ودفعه دفعًا لتعويض الخسائر.. لقد لفتت المحنة إلى ضرورة إعادة النظر فى نوعية الصناعات، والتخصصات البشرية، حتى التسليح العسكرى، ولفتت أيضًا إلى أهمية ما يسمى (الحرب البيولوجية)، وإلى الطرق السليمة لإدارة الأزمات، وإلى سياسات خاطئة وقعت يجب تصحيحها الآن.

وفى «المحروسة» رأينا العجب؛ تأخرنا كثيرًا فى الاحتراز والوقاية من المرض، وغابت الشفافية كالعادة، ولا زلنا نعيش (العك الحكومى) بكل تفاصيله. لقد أظهرت المحنة فشل النظام، وسوء الإدارة، التى ليس لديها أى خطط للطوارئ، ورأينا إعلامًا ساذجًا أثبت دجله وشعوذته، ورأينا انفصالاً بين النظام الحاكم والشعب، بل -فى كثير من المواقف- رأينا الشعب يعاند النظام ويسير عكسه. لماذا؟ لافتقاد (السِلْم الاجتماعى)، وهو أول درجات الأمن القومى، وكثيرًا ما نبهنا على هذه الجزئية، وقلنا إن الأنظمة الوطنية هى التى تحافظ على (السلم الاجتماعى) لتعبر المحن بسلام؛ بعدم التمييز، أو الفرز الطائفى، أو الاضطهاد الحزبى. ونحن الآن نجنى جرائم هذا النظام الذى ينسى الآن محنة (100 مليون) مصرى فلا تقدم قواته (الضاربة!) لهم شيئًا، فى حين لم تنقطع أخبار الاعتقالات يومًا واحدًا.

أتوقع أن تكون «مصر» هى الأكثر تأثرًا من غيرها بالمحنة لأسباب: أنها مأزومة من الأساس (70% من الميزانية العامة من الضرائب) وأنها تعتمد فى جزء كبير من استهلاكها على الاستيراد، ولا زالت أبواب التجارة العالمية مغلقة، وأظن أنها لن تُفتح بالشكل الذى كانت عليه فى الماضى، وأن القطاع الخاص هو عصب الاقتصاد، وقد تم إنهاكه بالقوانين التى أتى بها الانقلابيون، فهو يعانى أشد معاناة قبل المحنة، فماذا سيكون بعدها؟ أتصور أن البطالة ستسجل أرقامًا قياسية فى الشهور المقبلة، وكذلك الفقر؛ لخروج كثير من الشركات والصناعات الصغيرة عن الإنتاج، وعلى أثرها ستزيد الجريمة، والمحسوبية، وسيندر الاستثمار، المحلى والعالمى. وإزاء هذا الوضع سيفرض النظام ضرائب جديدة، وسيزداد عجزه وفشله، وسينهار ما تبقى من البنية التحتية، أما المتأخرات التى تراكمت عليه فلن يستطيع تسديدها، وما لهذا التأخير من تأثيرات اقتصادية ومجتمعية.

ونقولها لوجه الله، ولحبنا لبلدنا: لا نجاة من هذا الغرق المقبل إلا بالحل السياسى الناجز. هناك معضلة لا بد من حلها أولاً قبل المناداة بتضافر الجهود الشعبية والرسمية أو زيادة الإنتاج أو تشجيع الصناعات. هناك استبداد وفساد وتبعية لا بد من إنهائها، وهناك عسكر لا بد أن يعودوا إلى ثكناتهم، وهناك (مظاليم) لا بد أن يُطلقوا فورًا، وهناك دماء لا بد أن يُقتص لها.. أما كيف يتم كل هذا؟ فإنه يسير على من أخلص نيته ويسر الله له.

وإذا ما تمت هذه الخطوة -وهذا ليس على الله ببعيد- فلا بد من إعادة النظر فى الاستهلاك الرسمى ومخصصات القصور، ورد هذه المخصصات إلى وزارة الصحة البائسة التى لم يجد أطباؤها حتى «الكمامات»، وقد رأينا المستشفيات خربة خاوية على عروشها، إلا من الحشرات والحيوانات الضالة. وعلى من أغلق منافذ البر أن يفتحها ثانية؛ لأنه مهما كانت جهود الأنظمة وإمكانات الحكومات فستظل عاجزة -ما لم يكن هناك وقف أهلى- عن سد حاجة الناس وكفالتهم بما يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم.

وإن من دروس المحنة أن نجعل الليل للسكن والنهار للسعى والمعاش، لقد أغلقوا المحال من السابعة مساء إلى السادسة صباحًا بقرار، فلِمَ لا يفعلونها فى باقى الأيام؛ كى نقضى على البطالة والضجيح والمخدرات والفاحشة وباقى المساوئ التى صبت علينا غضب الله فابتلانا بهذا الوباء.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …