الإرهاب؛ من المصطلحات الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام على مدار الساعة. وتنخرط العديد من الدول فيما بات يعرف باسم الحرب على الإرهاب, وهي فكرة ابْتَدَعَها جورج بوش سنة 2001 ليحقق بها قوة شرعية وتأييدا دوليا في الوصول إلى أهداف لم تكن تصل لها واشنطن لولا هذه السياسة المشؤومة. وبالرغم من أن المجتمع الدولي لم يتفق حتى اللحظة على تعريف محدد للإرهاب، فإن الجميع يحاربه انطلاقا من التعريف الذي يناسبه. وقد أقيمت من أجل محاربة الإرهاب، المؤتمرات والندوات، وأنشئت الأقسام باسم مكافحته، ولم يكن في ذلك كله تعرض لتلك الدول الانقلابية والمستعمرة المجرمة، الجاثمة على صدور الضعفاء من المسلمين.
واليوم باتت الحرب على الإرهاب بمثابة العبارة السحرية التي لها فروع في كل قارات ودول العالم, وهي تُهمة يلصقها الأقوياء بالضعفاء كذريعة ليمارسوا ضدهم أبشع أنواع الإرهاب. وراح السذَّج من المسلمين يطلقون هذا اللفظ على كل من يحلو لهم محاربته، وتنفير الناس منه.
وباسم الحرب على الإرهاب دمّرت أمريكا أفغانستان والعراق.
وباسم الحرب على الإرهاب يُدمر بشار سوريا.
وباسم الحرب على الإرهاب يرتكب الجيش والمليشيات البوذية في ميانمار حرب إبادة ضد الأقلية المسلمة.
وباسم الحرب على الإرهاب اجتاحت إسرائيل غزة.
وباسم الحرب على الإرهاب تحاصر دول الحصار الأربع دولة قطر.
وباسم الحرب على الإرهاب يشعل السيسي بمصر حربا ضد الإخوان المسلمين وأنصار الشرعية, ولا يترك قائد الانقلاب العسكري، أي فرصة في محفل إقليمي أو دولي أو محلي دون التحدث عن الإرهاب المزعوم والهجوم على ثورات الربيع العربي والتسول من دول العالم، في إطار مهنته التي احترفها.
ومنذ استيلاء الانقلابيين على السلطة في مصر في يوليو 2013، قام الانقلابيون بسن قوانين استبدادية، بمعدل لم يقم به أي نظام من قبل على مدى 60 عاما. فقد أضحت مصر السيسي أكثر توحشا بكثير مما كان عليه نظام بينوتشيه؛ ديكتاتور تشيلي السابق. لا أحد في مصر الآن يشعر بأنه في طمأنينة وطن, والكل يعيش تحت الجور والإجرام وتلفيق الاتهامات، ولا استثناءات ولا خطوط حمراء، ولا رادع من ضمير أو قانون. مصر تعيش فترة استثنائية، تعاظمت فيها خيلاء الخيانة وشرذمة الانقلاب، وتساندت فيها عصابات السوء، وبلغت درجات الوقاحة حدا غير مسبوق، فلا القضاء ينتفض للعدل، ولا شرطة ترتدع من عواقب الإجرام، ولا جيش يتأثر بآلام شعبه، ولا إعلام يفوق من غفلته وعمالته.
لقد أسال الانقلاب العسكري الدماء في ميادين مصر، وملأ السجون والمعتقلات، وحرق الجثث ومَثّل بها، وبطش بكل من يقول لا للانقلاب، وارتكب مجازر دموية بحق المدنيين المعتصمين سلميا، خلفت مئات الشهداء وآلاف الجرحى. وفي محاكمات منعدمة الصلة بالقانون والدستور ومليئة بالتسييس والخصومة، حكمت محاكم الانقلاب بإعدام مئات من قياديي الإخوان المسلمين وأنصار الشرعية أو سجنهم سجنا مؤبدا، في مقدمتهم الرئيس الدكتور محمد مرسي، والمرشد العام السابق للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف، شيخ المعتقلين، وأكبر سجين سياسي عمرا في العالم, الذي قضى نحو نصف عمره بالمعتقلات، وقد عاش شامخا، واستشهد بطلا في سجون الانقلاب.
في مصر، أصبحت الأرواح بلا ثمن، والمجازر ترتكب بدم بارد، و لا يكاد المصريون الآن يفرغون من دفن شهدائهم الذين اغتالتهم يد الإرهاب حتى يستقبلوا شهداء جدداً، كأنما يخوضون حرب إبادة ضد المصريين المعارضين للانقلاب. وقد ارتفعت أعداد المعتقلين والمصابين والقتلى إلى أرقام كبيرة. ولم تكن الدول الديمقراطية مُخْطئة عندما حسمت العلاقة بين الجيش والأمن، وبين الممارسة السياسية، بتحريم ممارسة السياسة على أفراد الجيش والأمن، وتخييرهم بين العمل في هذه المهنة أو العمل في السياسة، وليس الجمع بينهما. فالجيش والأجهزة الأمنية لديهما وظائف تقتضي مهارات معينة ليست لدى السياسيين، وهذه المهارة لا تصلح إلا لمواجهة الأعداء أو المجرمين، لكن عندما يدخل العسكر إلى حلبة السياسة فإنهم يستخدمون أدواتهم التي لا تعرف إلا القتل وقاموس الإرهاب، وهذا ما يفعله الانقلابي السيسي بمصر، إذ مازال الانقلابيون هناك يتحدثون عن الإرهاب لتبرير حملات الاعتقالات والمحاكمات وقتل المؤيدين للشرعية.
كاتب وباحث مغربي
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات